من طالب إلى مدرس خلال ساعات

غادرت قاعة الامتحانات في جامعة الخرطوم – وكان ذلك كالعادة في مارس- لآخر مرة وأنا متأكد من أنني فعلت كل ما هو ممكن لضمان نجاح مُشرّف، وبحمد الله لم أتعثر قط خلال مسيرتي الجامعية، لأننا عموما طلابا وطالبات كنا نتعامل مع الشؤون الأكاديمية بجدية، وكانت قِلة تكبو وتتعثر إما بسبب الاستهتار والصياعة، وإما بسبب الخوف، فالامتحانات في تلك الجامعة كانت مرعبة وليس فيها «يمه ارحميني»، ولم يكن هناك مجال لـ«درجتين لله يا محسنين»، وزاملت طلابا نجباء ومجتهدين كانوا يرسبون لأن أسلاك وفيوزات أمخاخهم كانت «تضرب» مؤقتا أو نهائيا فور وقوفهم أمام قاعة الامتحانات، وقد أكرمني الله بسلاح عجيب ساعدني على اجتياز الامتحانات وخاصة في المرحلة الجامعية، وهو أنني لم أكن «أخاف» من أي امتحان، حتى لو كان استعدادي له دون ما هو مطلوب ودون ما كنت أرجوه.. وبالمناسبة حتى المرحلة الثانوية كنت أجلس لامتحان مادة الرياضيات وأنا «ضامن الرسوب»، وهذا ما جناه علي أبو عبدالله محمد بن موسى الخوارزمي، الذي كان في أمان الله يعمل في إعداد الخرائط وكتب الجغرافيا، وفجأة «انطس» في عقله وخرج علينا بكتاب «الجبر والمقابلة»، فكانت بداية علم الجبر، الذي سبب في دماغي كسرا يستعصي على الجبر، ثم زاد الخوارزمي الطين بلة بأن توصل إلى ما يعرف بـ algorithm وهو حل المسائل الرياضية خطوة بخطوة، واسم هذا الفرع من الرياضيات تحوير لاسم الخوارزمي نقلا عن الإسبانية «غواريزمو»، وظل هذا الفرع على ما تركه عليه الخوارزمي حتى عام 1929 عندما بدأ ديفيد هيلبيرت في تطويره وتعديله حتى صار الأساس الذي بنيت عليه العمليات الحسابية التي قادت إلى اختراع الكمبيوتر.
ومن قاعة الامتحانات إلى غرفتي في داخلية بحر الجبل، فلم أكن قط أناقش الأسئلة والأجوبة مع زملائي بعد الانتهاء من اي امتحان، وكنت أصف كل من يفعل ذلك بأنه «أهبل»، لأن معرفتك للإجابة الصحيحة بعد انتهاء المدة المحددة للامتحان لا يقدم بل يؤخر، فمعظم من يفعلون ذلك يصابون بالاحباط والاكتئاب عندما يكتشفوا أنهم أجابوا عن هذا السؤال أو ذاك بطريقة خاطئة، مما يؤثر سلبا على معنوياتهم وأدائهم في الامتحانات التالية، والمصيبة هي أنك قد تكون صاحب الإجابة الصحيحة، ولكنك صادفت من أجابوا بالطريقة الخطأ فتوهمت بالطبع أنهم «صح»، وأنك رحت فيها، وغسلت وجهي بالماء والصابون وغسلت يدي نهائيا من الدارسة، وذهبت الى وزارة التربية ووجدت الأستاذ حمزة مدثر، (جامعة الاحفاد حاليا) وقلت له إنني أريد أن أقدم لوظيفة مدرس لغة إنجليزية في المرحلة الثانوية على أن أبرز الشهادات وأكمل إجراءات التعيين لاحقا، فقال، وكان يعرفني جيدا بحكم علاقتي بابن عمه عمر حسن مدثر الذي «حاول» تدريسي الرياضيات في وادي سيدنا الثانوية: أنت مدرس اعتبارا من اليوم.. وستباشر العمل، في يوليو.. ولأن ذلك كان في مارس فقد كان ذلك يعني أن أتقاضى رواتب لأكثر من 3 أشهر وأنا «متستت» في بيتنا.
وبعدها بنحو شهرين تم استدعائي لانترفيو لوظيفة مفتش في وزارة الصناعة، وكان عندي بعد النظر الكافي لعدم الاستجابة للاستدعاء، وحقيقة الأمر هي أنني لم أكن راغبا في غير التدريس، ولو كانت عندي مدخرات عليها القيمة لما استثمرتها في غير التعليم: نفسي أدير مدرسة معلموها أكفاء، لا يشتمون طالبا أو يضربونه، وبها مختبرات علوم ومكتبة وملاعب وجمعيات للأنشطة ودورات مياه نظيفة، ومطعم محترم لا يقدم إلا الوجبات الطازجة.. مدرسة تقدم منح ووجبات مجانية للطلاب الفقراء المتفوقين.. مدرسة غير ربحية ولكن قادرة على التمويل الذاتي.. يعني 90% من طلابها من عائلات دخلها محدود، والـ10% المتبقين أكسر ظهورهم بالمصروفات والجبايات.. واللي مش عاجبه الباب يفوت فيل.
[/JUSTIFY][/SIZE]
جعفر عباس
[email]jafabbas19@gmail.com[/email]
