بلا شرف بلا بطيخ

وصرت أتقاضى راتبا شهريا قبل نيل البكالريوس بنحو 40 يوما، فقد كان هناك عجز في مدرسي اللغة الإنجليزية في المرحلة الثانوية، ومن ثم لم تتردد وزارة التربية في تعييني مدرسا لتلك اللغة قبل صدور نتائج امتحانات البكالريوس، لأن الإنجليزية كانت مادة تخصصي، وكنت ومعي نحو سبعة طلاب وطالبات في قسم الشرف في تلك اللغة في كلية الآداب بجامعة الخرطوم، ولم يفكر أحدنا في المواصلة الفورية للمسيرة التعليمية لنيل الماجستير، وأذكر أن أستاذي «المفضل» جون أباظة قابلني بعد صدور النتائج ونصحني بالسعي إلى نيل الماجستير في الأدب الإنجليزي، وكان يعرف مدى حبي لمسرح وشعر شكسبير، وكان هو من أميز نقاد شكسبير على مستوى الكرة الأرضية، ولو أدخلت اسمه في غوغل ستفاجأ بعدد مؤلفاته حول أدب شكسبير، فقلت له ما معناه: قطيعة تقطع الإنجليز و«بيت الأدب» الإنجليزي، وأضفت: أنا ما صدقت أن أبوي صبر علي كذا سنة كي أكمل تعليمي الجامعي ولو قلت له إنني اعتزم نيل شهادة فوق الجامعية، سيحرمني من الميراث.
وطالعت في وسائل الإعلام السودانية في الفترة الأخيرة، إعلانات تصدرها جامعات تقول إن بإمكان الطالب أن يسجل لبكالريوس الشرف في كلية كذا أو كذا، يعني مرتبة الشرف لا تأتي بالتحصيل والتجويد والتفوق، بل ستنال بكالريوس مع مرتبة الشرف، مهما عبثت بشرف المواد التي تدرسها، وعلى عهدنا بالدراسة الجامعية كان الترشيح لمجموعة الشرف يتم عند الانتقال للسنة الرابعة، وفي السنة الخامسة عليك أن تنال مرتبة الشرف من القسم الأول أو الدرجة الأعلى من القسم الثاني منها، لكي يكون من حقك نيل فرصة إعداد الماجستير، ولم تكن جامعة الخرطوم تمنح لقب محاضر لشخص عنده ثلاث درجات دكتوراه ما لم يكن قد نال مرتبة شرف عالية في مستوى البكالوريوس، واليوم تجلس لأول محاضرة في أول يوم لك في الجامعة ومرتبة الشرف في جيبك، ومن ثم ليس من العسف الاستنتاج بأن «الشرف الأكاديمي» صار منتهكا في جامعاتنا التي تكاثرت كما حركات التحرير في دارفور، فصرنا عاجزين عن تمييز الأصلي من التايواني.
بعد أن أبلغتني وزارة التربية بأنني صرت معلما، وأنني أستطيع أن أتصرمح لأكثر من 3 أشهر أتقاضى في نهاية كل شهر منها 45 جنيها (راتب الخريج جديد في وظيفة حكومية في الدرجة التي كانت تحمل اسم «كيو»)، مكثت في الخرطوم حتى أتقاضى راتبي الأول كخريج جامعي، لأذهب الى بيت العائلة في مدينة كوستي مرفوع الرأس ومكتنز الجيب، ولن أنسى يوم وصولي إلى بيتنا ومعي شنطتان ممتلئة ملايات/ شراشف وفساتين وقمصان وكذا جلابية لأبي وإخوتي الكبار، ولأنني أعرف ولع النساء بـ«العدة» اي أواني الطعام فقد اشتريت كمية من أكواب الشاي و«الشربات»، ولم أنس بالطبع أن أشتري لأختي الصغيرة كذا علبة عسل أبو أسدين الإنجليزي، ولكنني كنت مضطرا للسفر إلى الخرطوم بنهاية كل شهر لتسلم راتبي، لأنه لم يكن يتعامل مع البنوك وقتها سوى التجار، بل لم أمتلك حسابا بنكيا إلا بعد أن قررت الزواج، بضغوط من خطيبتي، التي كانت تعرف أنه لو بقيت اي نقود تحت تصرفي أي في جيبي، فإن الخطوبة ستمتد الى عشر سنوات.
سعادة لا تعدلها سعادة أن تحس بأنك تحدث نقلة في حياة عائلتك، وأنك بدأت في سداد دين ضخم على الأقل في جانبه المادي، وبحمد الله فإنني أنتمي الى جيل يحفظ جمائل الأهل ويردها لهم احتراما وتقديرا: حاضر أبوي.. طيب يمه.. خير يا خالتي/ عمتي، وكثيرا ما تكون الخالة/ العمة سيدة من الجيران.
[/JUSTIFY][/SIZE]
جعفر عباس
[email]jafabbas19@gmail.com[/email]
