عايروني لاختياري مهنة التدريس

لم يكن كثير من أهلي سعداء باختياري مهنة التدريس فور تخرجي في الجامعة، لأنهم كانوا يريدون لي دخول مجال مثل الطب أو الهندسة، ولم تكن من جدوى لإقناعهم بأن خريج الآداب غير مؤهل لدخول مثل تلك المجالات، فقلت لهم ما معناه إن «المسألة عايزة واسطة، وأنا في هذا المجال مقطوع من شجرة»، ولكن أحدهم فاجأني باقتراح عجيب: طيب بلاش التدريس، حاول تبقى ضابط في الجيش أو البوليس!! ولم يعرف أحد أقربائي بتركي كلية الحقوق/ القانون وانتقالي إلى كلية الآداب إلا بعد التحاقي بوزارة التربية فانفجر في وجهي: كان ممكن تطلع محامي أو قاضي، ولكن لأنك غبي دخلت كلية الآداب وطلعت منها حتة مدرس.. شوف نص الوزراء في البلد كانوا محامين!! عمرك شفت مدرس يبقى وزير أو رئيس؟ وهنا أيضا لم تكن من جدوى من تذكيره بأن رافع علم الاستقلال وأول رئيس وزراء للسودان المستقل (إسماعيل الأزهري) كان مدرسا.
حتى المتعلمون من أهلي وأصدقائي استنكروا اختياري مهنة التدريس في زمن كانت فيه فرص العمل في مختلف المجالات متاحة أمام الخريج الجامعي أيّاً كان تخصصه الأكاديمي، ذلك لأنه لم تعد لمهنة التدريس «قيمة وسيما» اجتماعيا كما كان حالها عندما كنا نحن تلاميذ في المدارس، حيث كان المعلم محترما في الوسط الذي يعمل فيه، وله كلمة في شؤون مجتمعه الصغير، بل أذكر معلمين ضربوا أولياء أمور بعصي الخيرزان، لأنهم سحبوا أولادهم من المدارس أو منعوهم من أداء واجباتهم المنزلية بمطالبتهم باستمرار بأمور مثل المساعدة في أعمال الزراعة أو رعي البهائم، ولا أذكر أن هناك من رد الصاع بنصف صاع للمدرس أو حتى احتج شفاهة على ذلك، وكما قلت في مقالات سابقة فقد كان هناك مدرسان تركا في نفسي انطباعا جميلا عن مهنة التدريس فعشقتها وظللت أنتظر اليوم الذي أمارسها فيه.
ومن الناحية المادية كانت أجور جميع خريجي الجامعات في جميع القطاعات الحكومية متساوية، وبكل صدق أقول إنني لم أحلم يوما لا بالثراء الحلال أو الحرام، وعندما صرت مدرسا أتقاضى 45 جنيها قلت لنفسي: «قام من نومه لقى كومه» كما نقول في السودان عن الشخص الذي تأتيه ضربة حظ طيب لم تكن تخطر بباله، ورغم أنني جعلت لأسرتي سهما كبيرا ثابتا في راتبي، فإن ما كان يتبقى في جيبي كان يفوق احتياجاتي، وكعادة أبناء وبنات جيلي كنا نزور بانتظام داخليات الجامعة للقاء زملائنا الذين كانوا ما زالوا يواصلون المسيرة التعليمية، وننال «ثواب» اطعامهم طيبات لا توجد في قاعات الطعام في الجامعة أو نصطحبهم إلى دور السينما أو نتبرع بما يعين هذا أو ذاك لشراء حذاء أو قميص، وأذكر جيدا يوم اتخذت قراري بالتخلص من جميع ملابس مرحلة الدراسة الجامعية بعد أن أصبحت مدرسا واقترحت على صديق كان ما يزال في المستوى الثالث أن يأخذ منها ما يلزمه، ففتح كيس الملابس الذي كنت أحمله واختار قميصا واحدا ثم خرج وألقى بالكيس بما فيه في مكب القمامة قائلا إن تلك الملابس لا تليق حتى بتلميذ مرحلة متوسطة.. أتذكر تلك الواقعة جيدا وكيف أنني لم أغضب منه، وأتذكر بحسرة وأسى أنه لم يكن هناك أي نشاط في الخرطوم لتوزيع الملابس المستعملة على «المحتاجين»، فحتى الذين كانوا يقدمون ملابس للمحتاجين كانوا يحرصون على أن تكون «جديدة»، وكان تقديم ملابس مستعملة لشخص ما يشكل إساءة واستخفافا (الاستثناء هنا كان بين الأصدقاء فكان من المعتاد ان يسطو على ملابس بعضهم البعض للاستخدام المؤقت أو الدائم).
[/JUSTIFY][/SIZE]
جعفر عباس
[email]jafabbas19@gmail.com[/email]
