فلاش باك والوطن الذي رجع إلى «الباك»

تم تعييني مدرسا بالمرحلة الثانوية، قبل موعد فتح المدارس بأكثر من ثلاثة أشهر، كنت أتقاضى خلالها راتبي كاملا، ثم صدر كشف تنقلات المعلمين عبر الإذاعة السودانية، وتضايقت كثيرا عندما عرفت أنني سأعمل في مدرسة «سنار» الثانوية، فقد كنت أتمنى البقاء في الخرطوم والعمل في أحد مدارسها، وكان ذلك لعدة أسباب من بينها أنني لم أكن أعرف شخصا واحدا في مدينة سنار، بينما كان المئات من أهلي وأصدقائي يعيشون في الخرطوم، ومن بينها أنني عشقت الخرطوم وكنت بحاجة إلى بضع سنوات للتحول من قروي إلى «ابن مدن» حقيقي، وكنت أعرف أن سنار وقد سبق لي زيارتها – ورغم كونها أكثر عراقة من الخرطوم، ليس فيها من بهاء الخرطوم إلا قدر يسير، وخذ في الاعتبار أنني أتكلم عن فترة كنت فيها «خريج طازة» من جامعة الخرطوم، وأن ظروف الدراسة والامتحانات وضيق ذات الجيب، لم تسمح لي بالاستمتاع بالعيش في الخرطوم، وأن إبعادي عن الخرطوم تم بعد الطفرة التنموية التي مررت بها بالانضمام إلى فئة «عشاق» أواخر الشهور (الموظفين).
حزنت لأنني سأفارق الخرطوم وأنا يا دوب مؤهل للعيش فيها في بحبوحة بِحُر مالي، وكنت أسير في شارع الجمهورية وأمر بمكاتب متلاصقة أنيقة لشركات الطيران العالمية: الفرنسية والبريطانية والالمانية والهولندية والاثيوبية، (واليوم لا توجد مكاتب لأي شركة طيران أوربية في الخرطوم، بل لا تهبط طائرة أوربية في مطار الخرطوم لأن السودان طفر بالمقلوب والشقلوب وارتد إلى القرن التاسع عشر)، ولم يخطر ببالي قط أنني سأكون يوما ما زبونا لها، ليس فقط لأنني كنت أعرف أن تذاكر السفر تكلف الشيء الفلاني، ولكن أيضا لأن مفارقة السودان لأي مدة زمنية كان أمرا مستنكرا عندي.. وهأنذا أكتب هذه السطور من العاصمة القطرية الدوحة، وقد عشت في منطقة الخليج مدة أطول من تلك التي عشتها في وطني، وأذكر كيف بكيت لأيام متتالية عند أول هجرة لي طلبا للعمل في الخليج، كما رضيع فطموه قبل الأوان، لم أكن أبكي فقط عند تذكر الأحباب، ولكن أيضا كلما مر بخيالي شارع أو زقاق أو مبنى طيني في اي من بقاع السودان التي زرتها أو عشت فيها، بما فيها سنار التي تضايقت من تكليفي بالعمل في مدرسة فيها، ثم أقمت فيها وأحببتها وأحببت أهلها وطلابي النجباء، فقد كنت أحس بأنني خنت العشرة والعشير بل الوطن كله، ولهذا لم تستمر فترة اغترابي الأول أكثر من 16 شهرا، وعدت إلى حبيبتي الخرطوم، وحتى عندما اضطرتني ظروفي المادية والمعيشية بعد الزواج للاغتراب كنت أحلم بجمع قليل من المال يعينني على امتلاك بيت في حي شعبي أو عشوائي، في غضون خمس سنوات على أبعد تقدير، بحيث يبدأ ابني البكر تعليمه في السودان، ولم أكن أدري أنه كلما قطعت العلوم والمعارف شوطا إلى الأمام، تقهقر التعليم في السودان سنة ضوئية.
وحتى بعد أن طالت فترة اغترابي، لم أتقبل سعي العديد من أصدقائي المقيمين في قطر للهجرة إلى كندا طلبا لجواز السفر الكندي، واعتبرتهم فاقدين للحس الوطني، فلم أكن أتوقع أن جواز السفر السوداني سيصير سبة تقفل أبواب المطارات والجامعات في وجهي ووجوه عيالي، ولم أتوقع أن يأتي يوم يصير فيه حلم معظم الشباب السوداني الهجرة إلى الخارج، بل ويا للعار طلب اللجوء الاقتصادي في إسرائيل.
[/JUSTIFY][/SIZE]
جعفر عباس
[email]jafabbas19@gmail.com[/email]
