جعفر عباس

في بيت الكاثوليك بلا حساسيات


[SIZE=5][JUSTIFY][CENTER][B] في بيت الكاثوليك بلا حساسيات [/B][/CENTER]

لولا اكتشافي لمحل يبيع دجاج كنتاكي لهلكت من سوء التغذية في أول زيارة لي للندن، فالإنجليز اخترعوا معظم الأشياء التي لا غنى عنها في العصر الحديث: القطار والتلفزيون والتلغراف والإنترنت، ولكنهم فشلوا في صنع أي نوع من الطعام تستسيغه النفس السوية، والعجيب في الأمر أن الإنجليز هم الذين ابتكروا خلطة بهار الكاري، ولكن الهنود هم من جعلوا للكاري قيمة وسيما، وصار الإنجليزي الذي يريد أكلا شهيا زهيد الثمن في أي مدينة داخل بلاده لا يلجأ إلا للمطاعم الهندية، ولم تكن هناك في لندن محلات تبيع البيرغر، فقد ظل البيرغر لعقود طويلة حكرا على الأمريكان، مع أن أصوله ألمانية، وظهر بالتالي للمرة الأولى باسم هامبيرغر (نسبة إلى مدينة هامبورغ الألمانية، وبيرغ في الألمانية تعني «المكان الآمن» وبالمناسبة، فإن الكلب الحار/ الساخن أي «الهوت دوق» أيضا من أصل ألماني، وإلى يومنا هذا فإن هناك من يسميه فرانكفورتر نسبة إلى فرانكفورت الألمانية، ولكن الفرانكفورتر يصنع تحديدا من لحم الخنزير، وكالعادة لطش الأمريكان ذلك النوع وغيره من أنواع الأطعمة من الشعوب الأخرى وصاروا كبار المتاجرين فيها، فالبيتزا مثلا إيطالية أما وأبا، ولكن أشهر المطاعم التي تبيعها أمريكية)، ولكن كانت هناك بشائر البيرغر في سلسلة مطاعم بريطانية تحمل اسم «ويمبي»، ولكن وبدخول الأمريكان سوق البيرغر ويمبي «أكل هوا».
ورغم أنني من بدأ صدام الحضارات مع الغرب عند زيارتي للندن للمرة الأولى؛ لعجزي عن التعامل مع مبتكرات العصر الحديث، إلا أنني ومن معي من العرب والمسلمين وقتها في بريطانيا كنا أبعد ما نكون عن الصدام الذي يريد البعض زجنا فيه اليوم مع الغرب والشرق والشمال والجنوب وحتى مع بعضنا البعض، أعني الصدام من منطلقات دينية، فقد خصص لنا المعهد الذي كنا ندرس فيه مسكنا في مبنى يحمل اسم بيت الشباب الكاثوليكي، وكان معنا زملاء وزميلات من إيران يقيمون في واي إم سي إيه YMCA، وترمز هذه الحروف إلى «الرابطة المسيحية للشباب»، وهي مساكن ترعاها الكنائس في العديد من المدن، ولو سمعت الحكومة الإيرانية المعاصرة أن إيرانيا شرب قهوة في واحد من تلك المساكن، لأهدرت دمه، كما أنه لو قيل لمسلم «عاصٍ» يذهب إلى لندن في أيامنا هذه للهشك بشك، أنه سيجد مسكنا لائقا في بيت الشباب الكاثوليكي كما حدث لي وزملائي، لصاح أعوذ بالله يا كفرة يا فجرة. أنا أسكن مع النصارى؟ حاشا يا بطل تسكن مع النصارى ولكن ما فيها شيء إنك تعصي الله في خمارات النصارى وتشتري أجساد بنات النصارى.
والشاهد هو أن بيت الشباب الكاثوليكي ذاك كان يضم مسلمين وهندوس وبوذيين وملحدين، وبهائيين، ولكننا كنا نتعامل معهم بعقلية «لكم دينكم ولي دين»، وطوال الأشهر التي أقمنا فيها في ذلك المسكن الذي كان يشرف عليه قس كاثوليكي بشوش، لم يدخل معنا في أي حوار ذي طابع ديني، بل سألنا ذات يوم ما إذا كان في المسكن شيء يحبذه أو لا يحبذه المسلمون، فقلنا له إننا نتضايق من استخدام الورق في دورات المياه، وأن على المسلم أن يتطهر بالماء، فصاح: ما في حل إلا البيديه الفرنسي، ولم أعرف معنى بيديه bidet إلا بعدها بسنوات (الشطافة الرخامية الملاصقة لمقعد دورة المياه). وباختصار كان ذلك زمن لا يعتبر فيه المسلم في الغرب سفاحا بالفطرة، ولا كان المسلم يعتبر كل من هو على دين آخر عدوا ينبغي محاربته أو مخاصمته حتى دون أن يصدر عنه عمل عدواني.
[/JUSTIFY][/SIZE]

جعفر عباس
[email]jafabbas19@gmail.com[/email]



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *