العودة بالغنائم والعجائم

انتهت أول زيارة لي للندن بإكمال دورة دراسية دامت ثمانية اشهر، درسنا خلالها فنون الانتاج البرامجي التلفزيوني، وبدأت أعد الساعات لأعود إلى الخرطوم، برأس أعلى من رؤوس أولاد الخرطوم الذين كانوا يستغربون – مثلا – من عزوفنا نحن ذوي الأصول القروية عن الاحتفال بليلة رأس السنة الجديدة، وما لم يكونوا يعرفونه هو أن القرويين لا يعرفون للسنة رأسا ولا قعرا، بل غير معنيين حتى ببدايات الشهور ونهاياتها، باستثناء شهر رمضان، لأنهم يعملون بالمثل السوداني الجميل الذي يقول «شهراً ما عندك فيه نفقة لا تعد أيامه»، فالقروي المرتبط بالأرض والزراعة لا يأبه بمطالع الشهور وخواتيمها لأنه لا يتقاضى راتبا شهريا، والسنة على بعضها مقسمة عنده إلى موسمين أو ثلاثة كل واحد منها يرتبط بزراعة وحصد محصول بعينه.
وعندما قررنا نحن السودانيين الخمسة العودة فور إكمال عامنا الدراسي من دون حضور حفل «التخريج»، استغرب زميل لنا من فولتا العليا (بوركينا فاسو حاليا) من قرارنا ذاك بقوله: ولماذا يستعجل إفريقي العودة إلى بلاده تاركا بريطانيا؟ ولكن أستاذنا مايكل باريت تولى الرد عليه: من يعش في السودان اسبوعا واحدا يقع في غرامه وغرام أهله حتى شوشته، وقد سبق لأستاذنا هذا أن عمل في المجلس الثقافي البريطاني في إثيوبيا والسودان وزامبيا، وكان عاشقا لأفريقيا وهائما بحب السودان، وكان هو من بارك تعجلنا رحلة العودة الى الوطن وتعهد بأن تصلنا «شهاداتنا» بالبريد على عنوان ادارة التلفزيون التعليمي، وهكذا توجهنا الى مطار هيثرو محملين بالغنائم، وهو نفس المطار الذي هبطنا فيه أول مرة وكل واحد منا يحمل شنطة يد معفصة ومكرفسة ومطعجة بسبب قلة ما فيها من ملبوسات، وكنا وقتها قد اكتسبنا مهارات عالية في استخدام الاسكاليتر (السلم الكهربائي المتحرك)، بدرجة اننا كنا نتحرك فوقه صعودا وهبوطا برشاقة حسدنا عليها الخواجات، في تجربتنا الأولى معها يوم وقفنا مرعوبين في نفس المطار ونحن نرى الناس يصعدون فيها ويختفون.
أذكر تماما أنني وصلت مطار هيثرو في رحلة العودة الى الخرطوم ومعي ثلاث حقائب تئن بما فيها من ملبوسات وأمتعة متنوعة، إلى جانب حقيبة يد كانت تزن نحو 15 كيلو، وقفت بها أمام الميزان حاملا إياها بإصبع واحد حتى لا تشك الموظفة المختصة بأن محتوياتها تفوق الوزن المسموح به، وبعد انتهاء عملية وزن الامتعة ودفع قيمة «الوزن الزائد»، كان إصبعي ذاك قد تصلب وتحطّب، وإلى يومنا هذا ما زال فاقدا لـ«اللياقة»، وبحاجة الى تمسيد كي لا يخرج عن صف الأصابع الأخرى، فيحسبني الناس «قليل أدب»، فرغم أنني أكره السوق والتسوق إلا أنني كنت عائدا لإتمام مراسيم زواجي، والتي تقتضي حسب العرف السوداني أن يزود عريس الغفلة عروس «القفلة.. يتم قفل العروس وإخضاعها لصنوف من البهدلة كي تبدو أكثر حلاوة يوم حفل الزفاف» بأطقم ملابس بأعداد معلومة، أدناها ست قطع من كل صنف من الملابس النسائية، وتشكيلة من العطور، ولم تقصر مسز عباس في تزويدي بتعليمات الشراء عبر الرسائل البريدية، ومن تلك الرسائل سمعت لأول مرة بشانيل، وعطور أخرى بالبشاميل، وبداهة فقد كان لابد لي من أن «أتدبج» بملابس لندنية للزواج ولغير الزواج.
ظلت ابنتي عبير شبه بكماء، أي لا تنطق بأي كلمة بطريقة صحيحة، حتى بلغت الرابعة، وتم علاجها من خمول في العصب السمعي، فاستطاعت أن تبربر وتثرثر، ولكنها ولنحو سنتين ظلت تنطق كلمات كثيرة بطرق خاطئة، وكان هناك مسلسل كرتوني يبدأ بأغنية تأتي فيها عبارة «الغرائب والعجائب..» ولكنها وعلى لسان عبير صارت «الغرائم والعجائم» وبالتالي فعنوان المقال مسروق منها.
[/JUSTIFY][/SIZE]
جعفر عباس
[email]jafabbas19@gmail.com[/email]
