عبد اللطيف البوني

نهاية التاريخ والرجل الأخير

[B][ALIGN=CENTER][SIZE=4][COLOR=darkblue]نهاية التاريخ والرجل الأخير[/COLOR][/SIZE][/ALIGN][/B] توقفنا كثيراً عند مقولة المرحوم الشريف زين العابدين الهندي التي نعى فيها التجربة الديمقراطية الثالثة قائلاً قولته المشهورة (أكان شالها كلب ما نقول ليهو جر)، ولكننا لم نتوقف عند مقولة أخطر منها وهي تلك المنسوبة للدكتور حسن الترابي التي قالها في نفس الفترة وهي اننا قد سئمنا هذا التاريخ الدائري ونود ان نقطعه حتى يمشي في خط مستقيم. والاشارة هنا لدائرة حكم ليبرالي يعقبه حكم عسكري ثم العودة الى الليبرالية والفرق بين المقولتين كبير جداً كالفرق بين الرجلين، فالأولى مجرد نعي مرتكز على خيال شعبي بليغ، أما الثانية فهي برنامج عمل (عديل كدا).
مناسبة هذه الرمية هو ان قناة الشروق وبمناسبة مضي عشرون عاماً على 30 يونيو 1989م طرحت السؤال التالي: هل 30 يونيو آخر الانقلابات في السودان؟ أجبت بدون تردد بنعم، لأنه في تقديري ان تجتمع مجموعة من الضباط في خلية ويسمونها الأحرار أو الوطنيين وينظموا انقلاباً بعد اتصال ببعض السياسيين ويحددوا ساعة الصفر وتتحرك قواتهم في جنح الدجى (أو في العصر كما فعل هاشم العطا) وتسيطر على المواقع العسكرية والقصر الجمهوري وترسل اشارة من القيادة العامة لكل الوحدات بأن الجيش استلم وتردد الاذاعة المارشات العسكرية التي تتخللها التنويهات بأن هناك بياناً مهماً فترقبوه و…. و… الى ان تكتمل الشغلانة وتصل برقيات التهاني (اضربوا على الخونة بيد من حديد)، هذه الانقلابات بهذا الشكل التقليدي قد ولت الى غير رجعة.
قبل الثلاثين من يونيو 1989م كانت القوة العسكرية محتكرة للجيش الوطني وفي كل تدخلات الجيش في السياسة كان السياسيون هم (الموسوسين له) أما اليوم وبنص الدستور هناك جيشان بالاضافة للقوات المسلحة هما القوات المشتركة وجيش الحركة، هذا بالاضافة للمليشيات التابعة هنا وهناك وغير التابعة، اما الاذاعة والتي كان الاستيلاء عليها يعني الاستيلاء على الوضع (انقلاب حسن حسين وحركة محمد نور سعد افشلهما عدم الاستيلاء على الاذاعة) فهذه الاذاعة (المجاورة النيل) لم تعد هي المحتكرة للاثير السوداني فالأثير امتلأ بالاذاعات والاطباق الهوائية. الاوضاع الدولية والاقليمية لم تعد مرحبة بأية حركة انقلابية عسكرية (وهذه قصة اخرى).
هذا اضافة الى ان القوى التي استلمت الحكم في 30 يونيو عملت بالفعل على قطع الدائرة واتخذت تدابير عدة متعلقة بعناصر القوى المختلفة كالسلاح والمال والنفوذ وهي الآن استعدت للتحول للشرعية الانتخابية التي تحرسها القوة العسكرية وهذا مالم تفطن اليه الحكومات العسكرية السابقة، وبالتالي لم يعد هناك احتمال انقلاب داخلي. فلهذه الظروف الموضوعية والاجرائية لم يعد هناك احتمال انقلاب عسكري تقليدي وبالفعل تكون الدائرة الموسومة بأنها خبيثة قد انقطعت وتحولت الى خط مستقيم وهو اقرب الطرق ولكن الى أين؟ خياران لا ثالث لهما الاول الى حياة سياسية ليبرالية كاملة الدسم بها تداول سلمى للسلطة أو فوضى تلحق السودان أمات طه ونسأل الله ان تكون الاولى. ولكن يبقى القول ان تدخل الجيش في ساعة العسرة الناجمة من فشل الساسة الحزبيين في ادارة الدفة لم يعد له مكان من الاعراب وعلينا ان نعترف ان انعدام هذا الخيارالآن يلقى على الساسة عبئاً ثقيلاً ويحملهم مسئولية بقاء هذا السودان وعدم زواله من تحت الشمس، فأنتبهوا يا أولى الابصار. أما العنوان فهو عنوان كتاب فرانسيس فوكوياما الذي أرتج له العالم قبل عشرين عاماً.

صحيفة الرأي العام – حاطب ليل
العدد(22692) بتاريخ 28/6/2009)
aalbony@yahoo.com