جعفر عباس

المتعة لنا.. والعقوبة للمضيفين

[SIZE=5][JUSTIFY][CENTER][B] المتعة لنا.. والعقوبة للمضيفين [/B][/CENTER]

فكرت من فرط لهفتي لمغادرة لندن عائدا الى الخرطوم في استئجار مكوك فضاء، يقطع المسافة بين المدينتين في ربع ساعة، وأصبت بالضيق عندما أدركت أن ركوب المكوك يتطلب السفر عكس اتجاه السودان إلى الولايات المتحدة، وتحول الضيق الى اكتئاب عندما تذكرت أن الأمريكان لم يكونوا قد اخترعوا المكوك بعد، وأن كل ما عندهم هو مركبات فضائية وأنه لو هبطت مركبة من ذلك النوع في مطار الخرطوم فستتحول مدارجه إلى «رُقاق» أسود، وهكذا ركبت طائرة تابعة لسفريات الشمس المشرقة، كما كان يسمى الناقل الوطني سودان إيرويز، قبل أن تغيب شمسها، ويحتل مكانه في قائمة «حضارات سادت ثم بادت» بفعل فاعل معلوم ضميره مستتر وراء ادعاءات كاذبة بالاستقامة ونظافة اليد، وكانت طائرات هيئة سودان إيرويز روعة، وخدمات الضيافة فيها على درجة عالية من الاحترافية، وكان قباطنتها السودانيون قد تعلموا الصنعة على أيدي «أصحابها» اي الشركات المصنعة للطائرات، وكليات الطيران ذات المكانة العالمية، ولهذا ما أن بدأت الهيئة تترنح، تحت وطأة التهريج الإداري، الذي مارسه أناس تسللوا إلى الهيئة من دون سند من كفاءة أو خبرة، حتى تخاطفت شركات الطيران التي كانت وقتها ناشئة مثل الإمارات والقطرية والكويتية الطيارين السودانيين.
وكانت رحلة عودتنا من لندن ممتعة، ليس فقط بسبب قرب لقاء الأهل والأحباب، بل لأن الطائرة توقفت في روما ونزل منها عشرات الركاب الطليان، ولم يبق فيها سوى نحو عشرة ركاب سودانيين: نحن المبعوثين سويا الخمسة، وخمسة طلاب آخرين كانوا عائدين حاملين درجات فوق الجامعية، ولأن الرحلة كانت ليلية فقد نام بعضنا، وكنت ضمن الذين لم يغمضوا أعينهم، بل إنني أستغرب كيف يستطيع البعض النوم وهم في وضع الجلوس. وبدعوة كريمة من المضيفين انتقلنا نحن اليقظانين الى الدرجة الأولى، وعرفنا «العز» بتناول وجبات في منتهى الروعة، واكتشفنا ان القاسم المشترك بيننا هو معارضة حكومة المارشال نميري فصرنا ومعنا طاقم الضيافة نردد الأناشيد الوطنية، ثم خرج علينا قائد الطائرة – وأذكر أنه كان الكابتن زمراوي – وصافحنا جميعا بابتسامة صادقة، وتبادل معنا الحديث، ثم ابتعد عنا الى المقصورة السياحية ونادى كبير المضيفين، وتحدث معه قليلا ثم عاد الى قمرة القيادة، وبعدها دخل علينا كبير المضيفين وقد صار من صغارهم، اي أن قفاه كان يقمر عيش، وأخبرنا ان الكابتن أبلغه أنه وطاقم الضيافة سيواجهون عقوبة بخصم راتب اسبوع من كل واحد منهم نتيجة اشتراكهم في «الفوضى»، ابتداء من نقل ركاب من الدرجة السياحية الى الأولى وليس انتهاء بمشاركتهم في ترديد الأناشيد، وأقنعت زميلا في رحلة السفر بأن نستعطف الكابتن كي يسقط العقوبة عن المضيفين، وذهبنا الى الكابينة وكانت كبائن الطائرات حتى عهد قريب، وقبل حوادث 11 سبتمبر 2001، بلا أبواب أو بأبواب لا يتم إغلاقها من الداخل، وناشدنا كابتن زمراوي أن يعفو عن المضيفين وقلنا «نحن السبب في ما حصل»، ولكنه قال إن الأمر يتعلق باللوائح وضوابط العمل وأن مخالفتهم جسيمة، وأن العقوبة أقل مما يستحقون، وهكذا عدنا وأقفيتنا بدورها تقمر عيش، رغم أنه حاول تطييب خواطرنا بالقول إنه بإمكاننا إكمال الرحلة على الدرجة الأولى.
وما أن بدأت الطائرة في الانخفاض استعدادا للهبوط في مطار الخرطوم حتى تذكرت الشاعر المصري علي الجارم عندما زار الخرطوم في أربعينيات القرن الماضي وكتب قصيدة يقول فيها: يا نسمة رنّحت أعطاف وادينا / قفي نحييك أوعوجي فحيينا/ أثِرت يا نسمة السودان لاعجة/ وهِجت عش الهوى لو كنت تدرينا/ وقد بدت صفحة الخرطوم مشرقة/ كما تجلى جلال النور في سينا (والحمد لله أن الجارم لم يزر الخرطوم في القرن الحادي والعشرين وإلا للحس كلامه الجميل هذا عنها).
[/JUSTIFY][/SIZE]

جعفر عباس
[email]jafabbas19@gmail.com[/email]