جعفر عباس

وحسبت أن عزرائيل سيأخذني

[SIZE=5][JUSTIFY][CENTER][B] وحسبت أن عزرائيل سيأخذني [/B][/CENTER]

عندما التحقت بأرامكو أسكنوني في عمارة في مدينة الدمام، وكانت هناك حافلة تنقلنا يوميا إلى الظهران، وأذكر أول جولة لي في شوارع الدمام، وكيف «لطمت»، لأنني أحسست بأن انتقالي إلى العمل في السعودية مقلب كبير، فقد كانت الدمام بائسة من حيث الشوارع والإنارة مقارنة بالخرطوم، وكانت بها ثلاث عمارات فقط: واحدة للراجحي والثانية للجفالي والثالثة لبن حم، وكنت قد وصلت المدينة في شهر يوليو، ولم يسبق لي وقتها أن زرت مدينة تطل على البحر، وبعد التجوال لنصف ساعة في وسط المدينة كنت قد فقدت جميع سوائل جسمي، وحاولت البكاء ولكن منين يا حسرة؟ مفيش دموع، لم أكن قد شهدت حرا من النوع الدمامي طوال حياتي أنا ابن السودان الذي لا يوجد فيه سوى فصلين: صيف يستمر من فبراير حتى منتصف ديسمبر وشبه صيف من منتصف ديسمبر حتى أول فبراير، ويتخلل الصيف في بعض مناطق السودان فصل الخريف، فتهبط الحرارة وترتفع ما بين 35 و45 درجة، يعني في السودان ليس عندنا ربيع جغرافي أو سياسي، ومع هذا فصيف السودان كان ربيعا مقارنة بصيف الدمام، ولكن الفارق كان في البيوت، فلو لجأت -في تلك الأيام- من حر الصيف في السودان إلى البيت، فإن نظام التكييف الوحيد المتاح كان الجريدة اليومية، بينما كانت غرف مسكننا في الدمام مزودة بمكيفات، كنا نضبط حرارتها على القطب الشمالي، وحتى عندما كنت أعمل في السفارة البريطانية لم يكن بها نظام لتلطيف الجو سوى مراوح السقف، ولأن العمل في السفارة براتب ضخم قد جعلني برجوازيا فقد اشتريت مروحة طاولة صغيرة، ولكن الفوز بها كان بالمنطق الخليجي «من سبق لبق»، فإذا عاد شقيقي محجوب إلى البيت قبلي وضع المروحة قبالة سريره وراح في نومة هانئة «على حسابي»، أما في الدمام حيث تسنى لي الاستمتاع بمكيف بغاز الفريون، فقد وضعت سريري على بعد مترين من المكيف في غرفتي، وكنت أدخل الغرفة مبتلا كطفل عائد من حضانة يديرها شخص بلا قلب، وأتمدد أمام المكيف، ما كان يخفف عني حزن فراق الوطن وزوجة عشت معها فقط ستة أشهر وتركتها وولدي الأول علقة في رحمها، وفي ذات ليلة دوت جنبات العمارة التي كان جميع سكانها تقريبا من السودانيين العاملين في أرامكو بأنين يحنن قلب الكافر، وخلال ثوان وجدت نفسي محاصرا بكتيبة من الأزوال، فقد أحسست بأن قلبي يوشك أن يخترق قفصي الصدري مع طعنات مؤلمة مع كل محاولة للتنفس، فنقلوني إلى قسم الطوارئ في مستشفى أرامكو ما كان يعني أن نستغل سيارة نحو نصف ساعة، وجاء الأطباء وفلفلوني وأنا في حالة ذهول: يا حليلك يا جعفر.. جيت أرامكو طمعا في المال وستعود إلى وطنك في صندوق قبل أن تتسلم أول راتب وتترك خلفك شابة حبلى أرملة! عملوا لي تخطيط قلب وفحصوني باهتمام ثم أعطوني حقنة/إبرة فزال الألم خلال دقائق، واكتشفت أن المكيف كان يضرب على جسمي المشبع بالعرق وسبب لي ذلك طعنات تشبه في أعراضها الذبحة الصدرية، ومنذ يومها كرهت الهواء المعلب، ولكن الظروف أرغمتني على إدمانه، فقد كنت أعتقد أن الاغتراب في أرامكو أو غيرها لخمس سنوات على ابعد تقدير ستعينني على العودة إلى الوطن معززا مكرما، ولكن وكلما عدت إلى السودان في إجازة سنوية، اكتشفت انه عاد عشر سنوات إلى الوراء فامتدت السنوات الخمس إلى عشر وخمس وعشرين ثم ثلاثين، وربك يستر.
[/JUSTIFY][/SIZE]

جعفر عباس
[email]jafabbas19@gmail.com[/email]

تعليق واحد

  1. يا جعفر يا عباس يا مرطب شايفك اليومين دى مركز على الدمام سنه يا الدمام احب ابودمام على الجمر