عبد الجليل سليمان

دلالة قوش.. من يشتري الخدمة المدنية؟

[JUSTIFY]
دلالة قوش.. من يشتري الخدمة المدنية؟

الراصد لنهج وأسلوب الخصخصة الذي سلكته الإنقاذ مذ استدادها السلطة 1989م، ومكوثها فيها إلى يومنا هذا، لا يعييه أن يلحظ ذلك القدر الكبير من (الانتهازية) الذي نُفذت به. وكما هو معروف فإن الخصخصة مفهوماً تقوم على منظورين اقتصادي وسياسي يهدف الأول إلى استغلال المصادر الطبيعية والبشرية بكفاءة وإنتاجية أعلى عبر تحرير السوق ونزعها من يد الدولة وتدخلاتها عدا في الحالات القصوى والضرورية، على أن يتم ذلك من خلال إجراءات دقيقة ومحددة تضمن استقرار السوق والحد من تقلباته، أما المنظور الثاني (السياسي) فتقوم فلسفته على اختزال دور الدولة ليقتصر على مجالات أساسية مثل الدفاع والقضاء والأمن الداخلي والخدمات الاجتماعية والمدنية. وبالتالي، فإن الخصخصة تتجاوز المفهوم الضيق المتبع من قبل (الحكومة) والمنبني على عملية بيع الأصول ونقل الملكية إلى مشروع يهدف إلى نقلة اقتصادية واجتماعية وسياسية كبيرة تنهض على فلسفة جديدة لدور الدولة.

لكن، ما حدث ويحدث الآن هنا، ليس خصخصة، بل مصادرة كاملة للقطاع العام من قبل سياسيين وتنفيذيين متحالفين مع رجال أعمال حقيقيين أو متوهمين، ولربما لهذا السبب بالذات ولذاك الذي أطلقت عليه مصطلح (انتهازية) أعلاه، وبعد كل البيع الجائر والخاسر لممتلكات الشعب السوداني طالب النائب البرلماني ورجل الأعمال (صلاح قوش) ببيع الخدمة المدنية بما فيها المحليات و(الجوازات)، بمعنى أنه يمكنني أنا الماكث هنا بين ظهراني هذه الزواية أن أشتري محلية أم بدة بحُرِّ مالي، وتصبح ملكاً وحينها سألهب ظهور المواطنين بالأتاوات والجبايات، كما يمكن لزميلي في المكتب (محمد عبد الباقي) أن يشتري العلاقات البينية بضباطها وحضرات صولاتها فيفرشون الجوازات ورخص السيارات على قارعة شارع أفريقيا ويهتفون منادين على الناس لشرائها على طريقة (ليمون بارا وعرديب كادقلي ومنقة كسلا).

يا رجل، ما هذا الذي تهرف به، فالخدمة المدنية والأمن والجوازات والخدمات الاجتماعية ليست محل خصخصة، هذه مؤسسات بالغة الحساسية كونها متصلة بعمق الدولة وعمق المواطن، فكيف امتلكت يا قوش كل هذه الشجاعة (منقطعة النظير) لتدعوا إلى (قرع الجرس) عليها؟

بالطبع، هذا ديدن (الجماعة) إذ دأبوا على شن حملات كلامية وصحفية عاصفة على أهدافهم التي يريدون شراءها والترويج على أنها مؤسسات خاسرة وتمثل عبئاً على الدولة، وبالتالي على المواطن، وهي بهذه الصفة يتسحق السحق التام وقرع الجرس عليها في مزاد علني، ثم ما إن يترسخ الأمر في ذهن المواطن (الغلبان) ويصبح مهيأً لقبوله حتى يضربون على جيبوهم المنفوخة بالأموال كالعهن المنفوش، ويشترونها بأبخس الأثمان (رغم أنها خاسرة)!

لكن السؤال المركزي يكمن في أنه لماذا لم يدع النائب البرلماني، رجل الأعمال ورئيس جهاز الأمن والمخابرات السابق (صلاح قوش)، وبذات القلب القوي الذي دعا به إلى بيع الجوازات والبلديات، إلى إصلاح الخدمة المدنية وإزاحة المتمكنين والفاسدين منها، واستدعاء المؤهلين من الضباط الإداريين ذوي الخبرات والنزاهة ليحلوا محلهم؟

[/JUSTIFY] عبد الجليل سليمان
الحصة الأولى – صحيفة اليوم التالي