تعتبر أم درمان المدينة الأم في كتاب تاريخ المدن السودانية.. فهي أول عاصمة وطنية سودانية للدولة الحديثة، وذلك كونها كانت البقعة (المباركة) التي أقام عليها الأمام المهدي حاضرة دولته آنذاك، حيث حكم البلاد المترامية، وخاض المعارك، ونشر الدعوى، وامتد عهد سلفه فيها. ولأن الدولة آنذاك عاشت حروباً كثيرة، ومحاولات لردع الأعداء ولم الشمل الداخلي عسكرياً فكان من الطبيعي أن يكون هناك أبطال قدموا الأرواح وبعض من هؤلاء الأفذاذ دُفن في منطقة تقع الأن قلب مدينة أم درمان وعلى مقربة من بيت الخليفة (مقر الحكم) وقد أخذت هذه المنطقة تسميتها منهم وصار اسمها الشهداء، حيث يقف الآن وفي قلب الساحة قبر الشيخ (ود مضوي) ورموز لأبطال آخرين.
الآن المنطقة يسكنها الناس وتضج بالحركة المتواصلة التي لا تنقطع ابداً وأهلها وهم قدامى سكان المدينة حيث التقيناهم بثوا شكواهم واشجانهم.. وجلسوا الينا.
* الضجيج.. والغبار.. والتلوث
اول ما ذكره كل من تحدث معنا هو موضوع الموقف والصخب الناجم عنه فالمساحة برغم ضيقها وعدم استوائها وسفلتتها إلا إنها تفيض بالحافلات والمركبات العامة والخاصة، ففي هذا المكان (الصغير المساحة، توجد مواقف لمواصلات الثورات بحاراتها وضواحيها- بحري- ود البخيت- الجرافة- الحتانة- أبو روف- الخرطوم).
* المتشردون..
ويتقاسم المتشردون زحمة المكان حيث يتسكعون وينشلون ويآكلون بالنهار.. ويتعاطون (السلسيون) والمخدرات وينامون (مشرورين) في الشوارع والمساحات ليلاً.. والاقسى من ذلك والمؤذي للعين والدين والنفس.. انهم اولاد وبنات يمارسون طقوس حياتهم اليومية الخاصة في العراء وهكذا دون أي حجاب فقط بعض الظلام الذي تخترقه الاضاءة الخفيفة والضوء المنبعث من بعيد؛ لا شيء يهمهم فهم غائبون عن الوعي ومخدرون ولا يأبهون حتى للاصوات الصادرة عنهم أثناء هذه الممارسات كأنهم في بيوتهم، كأنهم في الصحراء. حتى انك لا تملك سوى أن تستمع مجبراً ان لم تمتلك سدادات للاذن.
فالحياة عندهم حية بلا توقف نهاراً في السوق الموقف وليلاً حول المستشفى.
* المتسولون
أما هؤلاء فالحديث عنهم يأخذ بعداً آخر، إذ لاحظنا أنهم سنقسمون إلى مجموعات فبعض منهم على الحافلات داخلها أو بالنوافذ (والشبابيك) وبعضهم يحوم في المحلات التجارية والبعض الآخر جلوساً على الأرض يتوسل إلى الماره جالسين على قطع كرتونية وجولات خيش، وبعض منهم وقوفاً يمسكون بايدي الناس طالبين جنيه لانهم (مقطوعين) وليس لديهم (حق المواصلات) أما الغريب الذي شهدناه فهو انينهم وارتفاع اصوات توسلاتهم فالمديح الذي يستغلونه لحث الناس يكون مرتفعاً وذلك لأن صخب المنطقة يتطلب منهم ان يرفعوا عقيرتهم حتى يسمعوا، وكذلك التناغم في الانشاد.. والألحان:
ساعدونا يا جماعة..
الله يساعدكم يا جماعة..
ارحمونا يا جماعة..
الله يرحمكم يا جماعة..
واصواتهم المرتفعة تنافس اصوات السيارات وتزيد المكان ضجيجاً وتلوثاً.
وبرغم كاميراتنا وحالتنا إلا انهم استطاعوا ( ان يقلعوا مننا) ودون ان نتمكن من توثيق ذلك بالصورة الواضحة.
* الحافلات.. والمركبات العامة
المشاهد للمنطقة يهوله في البدء عدد السيارات والمركبات المتواجدة مقارنة مع المساحة المتوفرة حتى ان الطريق يبدو اليك من بعيد كأنه (زقاق) (اذا حشرت عربيتك بتمرق بعد 6 ساعات)، فالسيارات تزحف دخولاً و(تحبو) خروجاً.. وانواعها كبيرة وصغيرة وموتوسيكلات او ما يعرف بالـ(الركشة).
والزائر للمكان يلاحظ انها تقف عشوائية دون انتظام ولا ترتيب، وصوتها العالي، ودخانها، وبوقها الاكثر من عالي والمتنوع يزمجر كالوحوش، فهناك نوع يسمى (شطط) وهو بوق مرتفع يتردد بشكل منتظم مشكلاً سلسلة صوتية متتابعة. وكل هذه المركبات تزدحم وتزدحم مطلقة العنان للغبار الذي تحتها وعوادمها وماكيناتها لتزكم انواف الناس واذانهم وتخلق بجانب التلوث البيئي تلوثاً جديداً (التلوث الصوتي).. بضجيجها الذي لا ينتهي ولا يتوقف.
* الناس.. والبيوت
تحدث سكان المنطقة عندما سألناهم عن الحال فحكوا بصراحة وصدق وبعض الأسى:
* الحاج بخيت: مواطن يسكن بالمنطقة
– نحنا في الحالة دي طوال اليوم اصوات الكماسرة اصبحت ذي الهدهدة لينا كما سمعناها ما بنوم.. وما في حتة عشان توقف فيها عربيتك.. البوري والغبار الكثيف لدرجة انو نحنا ما بنقدر نآكل في الحوش أو في البرندات.. وزحمة السيارات قاطعة مننا الموية ولينا الآن حوالي الثلاثة شهور بدون ماء.. لأنو كل ما يصلحوا الماسورة الكبيرة حركة العربات الكثيرة تكسرها تاني.. والوسخ عامل مشكلة ما عارفين نلموا وين، وكثافة المتشردين والباعة المتجولين الواحد يفرش ليك خضارو في خشم باب بيتك.
– أيمن عبد الوهاب سائق يسكن بالمنطقة
أنا بوقف عربتي مسافة ستة شوارع من بيتنا عشان ما في حتة قريبة فاضية اوقفها فيها.. ولو عندك مناسبة إلا تعملها في بيت قرايب يكون ما هنا.. والله انا عرست قريب ودعوة الغداء بتاعتي عملتها في الحتانة، الغبار.. والمتشردين بحرجوك مع ضيوفك.
الاستاذ خالد فؤاد: من قدامى سكان حي الشهداء
قال نفس ما قاله بقية السكان وأضاف.. المشكلة في الاوساخ فالعربية بتاعة النفايات بتجي يوم واحد في الاسبوع (الثلاثاء)، واذا صادف وما جات ما بتجي الا الاسبوع الجاي.. ونحنا عايشين في السوق، والسوق نفايات كثيرة ولازم عربية النفايات تأتي يومياً.. أما عن اصوات العربات فحدث ولا حرج وانا بسبب الزحمة لا اترك احداً من ابنائي يخرج لأي سبب إلا برفقة شخص كبير.. وانا والمدام بنوقف عربتنا في حتة بعيدة ونمشي مشوار بعيد عشان الزحمة..
* الأوساخ
المكان ممتليء بالاوساخ والرائحة الكريهة المتصاعدة من تراكمها وحرقها.. والرائحة تختلط بالغبار المتصاعد فيشكلان معاً ضبابية لزجة تتعب الحواس.
عرفنا منهم ان عربة النفايات تأتي مرة واحدة في الاسبوع (الثلاثاء) واذا لم تأت في هذا اليوم لا يتم تعويضه بل تتظر حتى الاسبوع القادم، فتعود الاهالي على حرقها.
* المياه
الماء يكاد يكون معدوماً.. حتى المحلات التجارية لديها (موتورات) وليت ذلك يكفي.. فالماء قد يقطع لايام وايام.. وتروج حينها تجارة المياه المعبأة.. ولا سبيل لاصلاح الاعطال إلا ليلاً ففي النهار لا يمكنك حتى تصليح كفة القميص الذي ترتديه من الزحمة.. وانية الماء يجب ان تقفل حتى داخل الثلاجات باحكام فالاتربة والغبار ينفذان اليها من اي مسام.
* من المحرر
كنا نعلم انها مهنة المتاعب ولكنا الآن تعلمنا انها مهنة التعب والغبار والاتربة.. فقد عدنا وكأننا قادمون من سفر طويل مغبرين.. ورائحة الاوساخ تطن في الانوف وابواق المركبات العامة تلك المسماة (شطط) تسكن الاذن وترهق السمع.. اهالي المنطقة قالوا.. انهم ينتظرون نقل هذا الموقف كما وعدوهم إلى الميدان الذي تحول بفعل فاعل الى دلالة.. ذاكرين (اذا لم يحولوا الدلالة فأكيد حيدللونا نحنا).
هذه هي الحال.. المكان يجب ان يصان، فالناس وقيمتهم كبني آدمين تلزمهم بيئة طيبة للحياة ومناخ صحي للعيش. وان غفر هؤلاء فلن يغفر التاريخ.. ولن يغفر شهداء المهدية الذين ضحوا بأرواحهم ويرقدون الآن هناك؛ لن يغفروا لنا.. ونحن نطأ بطولاتهم وتاريخهم بأرجلنا.. نتسول ونتبول عليها.
كتب: أيمن عبد الله صباح الخير
صحيفة الاسطورة
