جعفر عباس

العبث بالموتى ترفيه!


[JUSTIFY]معظم البرامج التلفزيونية المثيرة للجدل في الفضائيات العربية، منقولة بالمسطرة من فضائيات غربية، والنوعية التي لم تصل إلينا بعد من تلك البرامج يتنافس المشاركون فيها في أكل الديدان أو التعري او ممارسة الجنس أمام الكاميرات، وثمة برنامج أمريكي يتعارك فيه المشاركون حول من هو والد الطفل إكس! ويجري فحص الحمض النووي للأب المزعوم ثم يقول مقدم البرنامج: يا فلان أنت والد هذا الطفل، أو: أنت لست والده.
كانت آخر صيحة تلفزيونية ما قام به الطبيب الألماني غونتر فون هاغينز على شاشة القناة الرابعة في بريطانيا في برنامج يحمل اسم «التشريح للمبتدئين»، حيث أتى بعدد من الجثث وشرع في تقطيعها، ولإضفاء طابع علمي على البرنامج، يشرح أثناء التقطيع وظيفة كل عضو في الجسم.. وطبعا ليس من حقنا ان نقول لهم ان ذلك انتهاك لحق من حقوق الانسان وأنه امتهان لكرامة الانسان التي يجب ان تصان في الحياة والممات، لأن تحديد تلك الحقوق ليس من شأننا! ولأننا في واقع الأمر لا نعرف من حقوق الانسان سوى حرية استهلاك الأوكسجين من دون دفع ضرائب أو جبايات.
على أيامنا في جامعة الخرطوم كان طلاب الطب يعاملون معاملة خاصة من حيث المسكن والمأكل، وكانت كلية الطب ولا تزال، بعيدة عن المبنى الرئيسي للجامعة، ولم تراودني الرغبة في الذهاب الى كلية الطب؛ لأنني كنت أعتقد أن كلية الطب «مسكونة» لعلمي أن مختبراتها تضم جثثا، وما كان ممكنا لي ان اتناول الطعام مع شخص قام بتقطيع جثمان شخص ميت.. ومعلوم ان طلاب الطب يتعلمون أصول التشريح على جثث أشخاص «مقاطيع»، أي مقطوعين من «شجرة» وهم في غالب الأحوال ممن يموتون داخل السجون او في حوادث ولا يُعرف لهم أقارب.. وذات مرة استدرجني بعض الزملاء للذهاب الى المعرض السنوي لكلية الطب، ودخلت المعرض وكان أول ما وقعت عليه عيني طفل أو بالأحرى جنين شبه مكتمل النمو (مُخلل) في قارورة زجاجية ضخمة، فصرخت وأشحت بوجهي الى الناحية الثانية، وأنا أترنح واستندت الى حافة طاولة، وفتحت عيني لتحديد منفذ الخروج، واكتشفت ان الطاولة التي كنت اتكئ عليها هي تابوت زجاجي يتمدد في داخله رجل ميت يسبح في سائل يمنع جسمه من التحلل، وصرت ارتعد إلى أن نقلوني خارجا.
وقد زودني الله بقولون على الهبشة: أي انفعال أو وجبة فيها كاني ماني ينتفض ويصدر أصواتا مخجلة بلا أدنى حياء وتصبح بطني مثل البالون.. وتخيل ان يحدث ذلك في بلد مساحته مليون ميل مربع وليس فيه دورة مياه عامة واحدة!! ولجأت الى «بعشر» وهو الاسم الذي كانت تحمله العيادة النفسية تقديرا للدكتور طه بعشر أحد رواد الطب النفسي في السودان، وشكوت لهم من الكوابيس وانعدام الشهية، وأعطوني عقاقير ساعدتني على النوم ولكن الخوف من كلية الطب ما زال يلازمني، وأحلف بالله صادقا أنني لم «أُعتِب» تلك الكلية منذ ذلك اليوم المشؤوم، بل صرت أتفادى لقاء زملائي في كلية الطب، لأنهم كانوا في نظري «مرافعين ومفردها مرفعين»، ودارت الايام وقرر أكبر أولادي دراسة العلوم الصحية في نيوزيلندا، وذكر عرضا ذات مرة انه جرح يده أثناء تشريح عضلات شخص ميت.. فأحسست بـ«القرف» منه!.. وتفاديت الأكل معه من نفس الصحن عدة سنوات! وبالمقابل جلس الملايين أمام شاشات القناة الرابعة البريطانية لـ«الاستمتاع» بمشاهدة تقطيع جسم ميت لغير أغراض العلم.. العبث بالجثث صار «ترفيها».. وهم «متحضرون» وأبو الجعافر «متخلف».

jafabbas19@gmail.com [/JUSTIFY]

تعليقات فيسبوك


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *