جعفر عباس

لست داعشيا حتى مع الأرانب


[JUSTIFY]لي أخ اسمه عبدالله يعشق الطبخ ويجيده، وذات ليلة دعاني الى عشاء دسم، قال لي إنني سأشبع من الدجاج، وكان أكل الدجاج لدرجة الشبع حلما بعيد المنال في ذلك الزمان، حيث كان الدجاج طعام الأثرياء، ولم تكن أمهاتنا يذبحن الدجاج إلا بعد توقفه عن الارسال، بمعنى ان الدجاج لم يكن يخضع للسكين إلا بعد انتهاء عمره الافتراضي، أي انقطاع الطمث، والتوقف عن وضع البيض في حالة الأنثى، والإصابة بتصلب المفاصل والشرايين في حالة الديك.
وضع أخي على المائدة دجاجتين سمينتين: يا للسعادة هذه هي المرة الأولى التي أتناول فيها دجاجة كاملة بمفردي، ولن يقوم شخص ما بتهشيم الدجاجة بيديه ليوزع أعضاءها «وأنت وحظك»، قد يكون نصيبك جناحا أو رقبة، وقد يسعدك الحظ بجزء من الصدر أو الفخذ، وأكلت بنهم وبسرعة خشية ان يداهمنا ضيف طارئ ويقاسمني نصيبي في الدجاجة.. وشبعت.. ثم سألني أخي: إيه رأيك في هذه «العشوة»؟ اكتفيت بالابتسام والطبطبة على بطني، فخاطبني مجددا: إيه رأيك في لحم الأرنب؟ قلت له إنني لم أتذوق لحم الأرنب من قبل وليس من الوارد ان أضع لحم أرنب في فمي، فضحك وقال: ولكنك أكلت أرنبا كاملا قبل قليل! قلت له: ماذا تقصد؟ قال: الفرخة التي أكلتها قبل قليل كانت «أرنبا»!
إلى يومنا هذا وأخي نادم على كلامه ذاك، لأن ردي عليه جاء في شكل قذيفة انطلقت من بطني وتوجهت نحو وجهه وصدره مباشرة.. فما ان أدركت انني أكلت لحم أرنب حتى انتفضت بطني وقذفت كل ما فيها خارجا!! وبعد ان هدأت ثورتي الهضمية انفجرت ثورتي اللسانية: يا مجرم يا سفاح،.. كيف يطاوعك قلبك على ذبح أرنب وأكله؟ حكى لي حكايته مع الأرانب: اشترى ذات يوم ارنبين بهدف ذبحهما وأكلهما، ولكن زوجته رفضت ان تسمح له بذلك، وقالت: مش بعيد المرة الجاية تذبح قطة وتأكلها! وهكذا وضع الأرنبين في قفص مهمل في البيت، وظل يرمي اليهما ما تيسر من طعام، وبعد نحو شهرين جاءه جاره شاكيا من ان الأرانب تسللت الى بيته عبر نفق.. وتوجه أخي نحو القفص ليكتشف ان به نحو 16 أرنبا، ومنذ يومها بدأت مذبحة الأرانب وصار كلما ذبح أرنبين اكتشف ان أربعة أخرى حلت محلها.
وتذكرت أنه برغم أن بطني رفضت لحم الأرنب في تلك الليلة إلا أن طعمه كان شهيا، وهكذا صرت أتذوق لحمه تدريجيا حتى عشقته.. وحدثت في بيت أخي انهيارات أرضية لأن الأرانب حفرت فيه أنفاقا في عدة اتجاهات، وهكذا تبرع لي بثلاثة أرانب كي أعطيها لمجموعة من الأصدقاء العزاب، وحملتها وذهبت إليهم، متقمصا دور الخبير الذي يعرف انه ما لم يتم سلخ جلد الأرنب فور قطع رأسه، فإن المهمة تصبح مستحيلة لأن الجلد يلتصق باللحم تماما. وأمسكت بالسكين بيد وبأرنب بيد أخرى، فصدر عنه صوت طفل ابن شهرين إييييي إييي.. سقطت السكين من يدي، وأفلت الأرنب وجلست أرتعش.. داهمني الإحساس بأنني كنت على وشك ذبح آدمي.. وعدت الى بيت أخي وفتحت قفص الأرانب لتهرب أينما تشاء.. وكلما رأيت أرنبا اقشعر بدني. ثم جاء زمن صرت فيه أرى أناساً يذبحون بشرا كما الأرانب من دون ان يرمش لهم جفن.. أو يضعونه في قفص ويحرقونه وهم يهللون ويكبرون، وذاك يضع قنبلة في مسج لتنفجر وتقتل من تقتل.. الحمد والشكر لله الذي وهبني قلبا وضميرا لا يسمح لي حتى بإيذاء أرنب.

jafabbas19@gmail.com [/JUSTIFY]

تعليقات فيسبوك


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *