عبد اللطيف البوني

الزمان (ما) زمانك


[B][ALIGN=CENTER][SIZE=4][COLOR=darkblue]الزمان (ما) زمانك[/COLOR][/SIZE][/ALIGN][/B] لمّا رأيتُ الطفل عمرمحمد عبدالوهاب (10 سنوات)- وهو بمثابة حفيد بالنسبة لي- قادماً من الترعة سألته لماذا ذهب إلى هناك فأجابني قائلاً: ذهبنا لنصطاد سمك (فطقشت) أُذني كلمة نصطاد فقد كنّا على أيام طفولتنا نقول (مشينا نشرِّك للسمك) إذ نستعمل كلمة الشرك (بفتح الراء) للسمك والطير. قلت لحفيدتي فاطمة (5سنوات) وهي ممسكة بالريموت كنترول ومندمجة كعادتها مع فِلم كرتون (أبُقصي الصوت شويّة) فلم تفعل، فأعدت القول (نقِّصي الصوت يابت) فلم تفهم، فقلت لها (خفِّضي الصوت) فاستجابت للأمر. عندها قفزت إلى ذهني عبارة سيّدنا عمر الخالدة التي تقول (أنشئوا أبناءكم على غير طباعكم فإنّهم سوف ينشأون في زمان غير زمانكم) ولكنِّي ما كنت أتخيّل أنَّ الزمان سوف يترك بصماته حتى على اللغة. الواضح من الشاهدين أعلاه أنَّ الدارجة التي كنّا نتداولها على أيامنا أصبحت (دقّة قديمة) مثل عُملة أهل الكهف بالنسبة لأحفادنا الذين أصبحوا يأخذون لغتهم من المدارس كما في حالة عمر ومن التلفزيون كما في حالة فاطمة، فالأسرة والحبوبة وكلُّ حواضن التُراث من الموسّسات التقليدية قد إهترأت وذهبت في خبر كان. قبل فترة كتبتُ عن جلسة جمعتني بأساتذة أفاضل كانوا يتباكون فيها على ضعف المستوى الأكاديمي وكيف أنَّ التلاميذ في مرحلة الثانوي لايحسنون كتابة الإنشاء، فلا أفكار مُرتّبة ولا لغة صحيحة، ولا استعمالاً صحيحاً للترقيم فقلت لهم إنّ ذات التلميذ الذي تصفونه بالبلادة يمكن أن يعمل بالموبايل عمليات تُدهشكم من نغمات ومشاهد ورسائل وغيرها فأقرّوا جميعاً بذلك. والأغرب أنّنا كلّنا قلنا إنّنا لانعرف حتى تسجيل أسماء وأرقام الذين نودُّ مهاتفتهم ونعتمد في ذلك على هؤلاء (البلداء) لا، بل طفقنا نتكلّم عن إعجازهم في استعمال أدوات التقنية الحديثة من كهرُباء وتلفزيون ورسيفير حتى السيارة، فإذن ياجماعة الخير من الظلم أن نحكم على هؤلاء بالغباء والبلادة لمُجرّد أنهم لايحسنون كتابة الإنشاء. إنّنا نخطئ كثيراً في محاولاتنا إخضاع الأجيال القادمة لمعاييرنا في النجاح والإخفاق لأنّنا بذلك نتجاهل إختلاف البيئة والزمان فالحياة من حولنا مُتغيِّرة ونحن بداخلها نتغيَّر، فالمنازل اليوم غير منازل الأمس ومحتوياتها غير محتويات الأمس ووسائل الترفيه التقليدية التي نشأنا عليها لم يعُد لها وجود فبالتالي يكون من الطبيعي أن تتغيّر نظرة هذه الأجيال للحياة وتتغيَّر حتى لغتهم. ولكن، المشكلة الأزلية هي أننا لن نستطيع أن نفهم هذه الأجيال مهما أُوتينا من قدرات لأنّ تكويننا يختلف عن تكوينهم. الحلُّ عندي أن نترك هذه الأجيال على حالها ولانتدخّل في شؤونها ونكتفي بدور المراقبة ونصبح مثل بوليس الحركة الذي يقف في الصينية يراقب فقط ولايتدخّل إلاَّ إذا حدث خطأٌ من أحد السائقين. بعبارة أخرى نكتفي بمراقبة الجانب الأخلاقي في تصرُّفاتهم، فالقيمُ الأخلاقية مثل الصدق والأمانة والإستقامة والمروءة وغيرها ثابتة ولو أفلحنا في توطينها في دواخلهم نكون ماقصّرنا (تب)، أمّا هواياتهم واهتماماتهم، لا بل وحتى لغتهم فلنتركهم لزمانهم. لكن، تبقى المشكلة مشكلة الدولة وتحديداً وزارة التربية والتعليم المنوط بها وضع المناهج الدارسية التي تستطيع إستيعاب التطوُّرات المتسارعة في هذه الحياة الدنيا، مناهج تواكب متطلبات وعقليات هذه الأجيال فهل تستطيع أن تفعل ذلك؟ يبدو لي أنّ الحال يُغني عن السؤال ولكن، ليعلم الجميع أنّ المدرسة لم تعُد مصدر المعرفة الوحيد ولانبالغ إذا قلنا إنها أصبحت من المصادر الثانوية ومن هنا يجب أن نبدأ إذا أردنا إصلاحاً أومواكبة.

صحيفة التيار – حاطب ليل14 /1/2010
aalbony@yahoo.com

تعليقات فيسبوك


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *