الطاهر ساتي

القروض .. وإن لم تكن ربوية، فإنها مذلة ..!!

[CENTER][B][SIZE=5] القروض .. وإن لم تكن ربوية، فإنها مذلة ..!!
[/SIZE][/B][/CENTER] [SIZE=5] ** ذات جمعة، وقبل موعد صلاتها بسويعات، سمعت ضجيجاً صادراً من إحدى جنائن حلتنا، فقصدته لمعرفة ما يحدث، وإذ بشباب حلتنا يوبخون وينصحون شاباً مخموراً على سكره في يوم كهذا وساعة كهذه، وكان الشاب يرد على توبيخهم ونصائحهم بالسب والشتم بأعلى صوته مصدراً ذاك الضجيج..أدهشني بأن بعض الناصحين لذاك الشاب من المصنفين بأنهم من سكارى حلتنا، ولذلك سألتهم بعد أن هدأت عاصفة توبيخهم واستسلم الشاب إلى نصائحهم : وكت عارفين إنو العرقي حرام وبتنصحو زولكم ده بانو يخليهو، انتو بتشربو ليه ؟.. فانتفض أحدهم برد فحواه : شوف يا أستاذ، حصل شوفتنا سكرانين يوم جمعة زي العوير ده ؟، حتى في الأيام العادية على الطلاق قبل صلاة العشاء ما بندخلو في خشمنا ؟..فانفجر المكان بالضحك على فتواهم، فغادرتهم بعد أن سألت الله لي ولهم التقوى وسبل الرشاد ..!!
** تلك هي قريتنا، تظل أثيرة عندي برغم جميع ما فيها، أحب نداء باعتها، أزقتها أغانيها، مآذنها كنائسها، سُكارها، مصليها، تسامحها تعصبها، عبادتها لماضيها، قريتنا – بحمد لله – راضية بما فيها ومن فيها، أو هكذا وصف نزار قباني مدينته وهكذا لسان كل حال الذين لم تبارح قلوبهم وأرواحهم أريافهم لحظة من الزمان حتى ولوكانت أجسادهم في المدائن..على كل حال، جلسة تشهدها إحدى قاعات البرلمان اليوم هي التي أعادت إلى ذاكرتي فتوى أولئك الشباب، فالبرلمان بصدد حسم مشروعية قروض مطار الخرطوم الجديد و مشروع خزان ستيت.. وكما تعلمون بإن البرلمان رفض إجازة تلك القروض في جلسة سابقة أفتى فيها بعض النواب لوزيرالمالية بعدم مشروعية تلك القروض،حيث وصفوها بالربوية، ولذلك قرر رئيس البرلمان توسيع دائرة النقاش حولها ثم رأى بأن الأفضل هو جمع بعض الشيوخ والعلماء تحت قبة البرلمان وعرض الأمر إليهم، وهذا ما يحدث اليوم..خير وبركة، فلننتظر فتاوى الشيوخ ..!!
** ولكن، قبل تلقي فتاوهم نسأل بكل براءة : لماذا لم يقابل البرلمان القروض السابقة – وما أكثرها – بمثل هذا الإجراء المسمى (توسيع دائرة الشورى) ؟..على سبيل المثال، بفقه الضرورة الذي أطلقه الشيخ أحمد علي الإمام مر قرض سد مروي من بين نواب البرلمان كما يمر كاريكا من بين مدافعي المريخ..أي البرلمان لم يرفض أو يتلكأ في إجازة قرض سد مروي، لأن الشيوخ أفتوا بضرورة الكهرباء التي يجب أن تبيح التعامل الربوي المحظور شرعاً..حسناً، سد مروي كان لتوفير الكهرباء وهذه ضرورة حسب فتواهم، بيد أن خزان ستيت لتوفير المياه البشر وأنعامهم وزرعهم، علماً بأن مشروع حلفا الزراعي خارج الدورة الزراعية منذ ثلاثة مواسم لعدم توفر مياه الري بسبب أطماء خزانهم، وليس هناك أي حل لهذه الأزمة التي تكاد أن تفرغ المنطقة من سكانها غير إنشاء خزان ستيت..وعليه، ما بين كهرباء سد مروي ومياه خزان ستيت، أيهما يجب تتقدم على الأخرى في قائمة الضروريات؟.. يعني بالبلدي كده : أهم الكهرباء ولا الموية، للناس والحياة ؟، بالله دي عاوزة فتوى وتفكير واجتماع شيوخ واستهلاك كهربة قاعة والفول المدمس والبلح ؟.. لو لم يجز البرلمان قرض سد مروي – بفقه الضرورة – لما سألت هذا السؤال بلسان حال قائل : إن كانت الكهرباء ضرورة فإن المياه ضرورة قصوى ..!!
** وعلى كل حال، ظاهرة إيجابية أن يتوجس البرلمان ثم يستفتي الشيوخ في إدارة شؤون الحياة العامة، وهذا يعني ( بقى يخاف من الحرام)..ونأمل أن يتواصل هذا النهج، ليس في حالات قروض وزارة المالية فقط، بل في أحوال كل الأجهزة التنفيذية، ولن نطالب نهجكم الجديد هذا بأن يراجع أداء وأحوال أجهزة الدولة التنفيذية بالأثر الرجعي، حيث بالأثر الرجعي ستردكم من كوارث تلك الأجهزة وبلاوييها ما ليست بحاجة إلى شيوخ يحرمونها، بل أي طفل بأية مدرسة قرآنية يستطيع تحريمها، ولذلك – منعاً للإحراج – واصلوا بالنهج الجديد من هذه القروض و(لي قدام )..وبالمناسبة : حتى ولو كانت بلا أية فوائد ربوية، فإن القروض مذلة، ولذلك فعلوا أداء أجهزة الدولة بحسن الرقابة يا نواب البرلمان، أي بالحث على الإنتاج ومحاسبة المخطئين وإبعاد الكسالى وفاقدي الهمة من سدتها، ولو كنتم كذلك لما كانت هناك قروض – ربوية كانت أو مشروعة – تضعكم في موقف حرج كهذا، أي أحسنوا أعمالكم واتقوا الله في الناس والبلد، لتحسن دنياكم وآخرتكم ..أما الأهل بمشروع حلفا وكل ولاية القضارف، فأطمئنوا..لن يخيب اليوم البرلمان والشيوخ ظنكم و ظن وزير المالية، فهنيئاً لكم مياه سد الستيت، ولو جاءت بها جداول الفتاوي التي من شاكلة : علي الطلاق قبل صلاة العشاء ما بندخلو في خشمنا..!!

[/SIZE]

إليكم – السوداني
[email]tahersati@hotmail.com[/email]