هنادي محمد عبد المجيد

العزم والعزيمة والتهاون

العزم والعزيمة والتهاون
تحمل الحياة الكثير من المعاني السامية التي تستحق النظر والإمعان فيها بالبحث والتنقيب ، كما تحوي الحياة الكثير من المعاني التي تستحق التقييم للوصول بالنفس الإنسانية إلى مرافىء الكرامة والشرف والعزة ، وبدون هذه المعاني تنعدم القيم التي بها يتكون المجتمع الفاضل السوي ، وللوصول إلى هذه المعاني نستخدم الوصف كأداة تحليل ، وبالمقارنة نصل لتقييم هذه الصفات والمعاني، فنتبنى النافع منها ونتنصل عن الغث الذميم ، نتناول اليوم صفة العزم والعزيمة والصفة المضادة لها ألا وهي صفة التهاون ، لنتعرف على معاني هذه الصفات وأثرها على حياتنا الشخصية وإنعكاساتها على المجتمع ،<العزم والعزيمة>قال الراغب: العزم هو عقد القلب على إمضاء الأمر ،وقال ابن القيم :العزم هو صدق الإرادة واستجماعها ، والعزيمة الصادقة ديدن الجادين ،وطريق الصادقين، وأمامها تزول الصعاب ، وتنهار العقبات ، ولا غنى للمرء عنها وإلا تحولت أمانيه إلى سراب، وصارت طموحاته في يباب أي خراب ،قال تعالى:[ فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لأنفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين ]وقال تعالى:[يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور ]وقال :[ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور ]وقال :[وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم] وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :{إذا دعا أحدكم فليعزم المسألة ، ولا تقولن اللهم إن شئت فأعطني ،فإنه لا مستكره له }بكسر الراء،وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال:”لقد أتاني اليوم رجل فسألني عن أمر ما دريت ما أرد عليه ، فقال أرأيت رجلا مؤديا نشيطا يخرج مع أمرائنا في المغازي ،فيعزم علينا في أشياء لا نحصيها ، فقلت له :والله لا أدري ما أقول لك ،إلا أنا كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فسعى ألايعزم علينا في أمر إلا مرة حتى نفعله ،وإن أحدكم لن يزال بخير ما اتقى الله، وإذا شك في نفسه شيء سأل رجلا فشفاه منه، وأوشك ألا تجدوه،والذي لا إله إلا هوما أذكر ما غبر من الدنيا إلا كالثغب شرب صفوه وبقي كدره”-الثغب هو الماء المستنقع في الموضع المنخفض-.
<التهاون>والمراد بالتهاون:التكاسل وعدم الجد ،قال تعالى:[قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون]وقال تعالى:[ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون]وعن أبي الجعد الضمري رضي الله عنه- وهو من الصحابة-أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:{من ترك ثلاث جمع تهاونا بها طبع الله على قلبه }وطبع على قلبه :أي ختم عليه وغشاه ومنعه من ألطافه ، وقيل:ما يجعله الله في قلبه من الجهل والجفاء والقسوة.وعن ابن محيريز أن رجلا من بني كنانة يدعى المخدجي سمع رجلا بالشام يدعى أبا محمد يقول: إن الوتر واجب، قال المخدجي:فرحت إلى عبادة بن الصامت فأخبرته فقال عبادة: كذب أبو محمد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :{خمس صلوات كتبهن الله على العباد فمن جاء بهن لم يضيع منهن شيئا استخفافا بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة}وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:”وكل الويل على المفرط الذي لا ينظر في عاقبته” إن التهاون من الأمراض الخفية التي تسري في بدن الفرد والجماعة فتعود عليهم بما لا يحمد من العواقب، وعلى من أصابه داء التهاون أن يعجل إلى مداواة نفسه قبل أن يرى أمامه جبالا من الأعمال التي كان ينبغي أن تنجز لولا التهاون، وساعتها تخور القوى وتضعف العزائم ويحكم اليأس قبضته على النفوس. اللهم لا حول ولا قوة إلا بك فأعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك .

هنادي محمد عبد المجيد
[email]hanadikhaliel@gmail.com[/email]