البشير : أنا لو ما كنت سافرت (الدوحة) تاني عمري كله ما كنت حأسافر

سنوات عديدة أمضاها الأستاذ “محجوب فضل بدري” السكرتير الصحفي لرئيس الجمهورية – في صحبة الرئيس “البشير”، صحبه خلالها في تحركاته وسكناته وخلال زياراته الداخلية والخارجية، وكان من أكثر المقربين واللصيقين به.
(المجهر السياسي) التقت الأستاذ “محجوب” في هذه السانحة وطلبنا منه أن يفتح لنا (صندوق أسرار الرئيس) ويخرج لنا بعض محتوياته.
فماذا أخرج لنا.. وماذا قال عن الرئيس؟!!
إلى مضابط الحوار..
{ قضية إعادة ترشيح الرئيس أثارت وتثير جدلاً ونقاشاً.. كيف تنظر إلى هذا الأمر؟
– هذه القضية. وقعت على البعض مثلما وقعت حادثة وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام على سيدنا “عمر بن الخطاب”.. فأنكرها وقال (من قال إن “محمداً” قد مات، ضربت عنقه)، وهي أيضاً تذكرني بكلمة قالها الدكتور “منصور خالد” ربنا يحفظه وهو رجل أديب وأريب ورجل خبرة، قال بعد سنة من وفاة “جون قرنق”: (مازلت أعيش حلم أن “قرنق” لم يمت). فالناس ينسون حقائق طبيعية وينظرون إلى الرئيس “البشير” كأنه خالد أبداً في الحكم، وهو نفسه لا يرجو ذلك ولا يتخيله. البعض لم يستفق حتى الآن من صدمة أن الرئيس قرر أن لا يترشح، وهناك أناس كثر (راقدين في ضهره)، لا يريدون أن يذهب لأسباب تخصهم.
{ إذن أنت مع عدم إعادة ترشيح الرئيس؟
– الرئيس من حقه أن يرتاح بعد ربع قرن من الحكم فيه ما فيه من العنت والمشقة والتعب والرهق، من حقه أن يستريح، ومن حق السودان أن يستفيد منه في موقع آخر مثلما نرى الرؤساء السابقين يقومون بأدوار عظيمة وهم خارج نظام الحكم.
{ مَنْ مِنْ الشخصيات ترى أنها الأنسب لتخلف “البشير”؟
– أنا أعتقد أنه بالمؤسسية والخبرات التي يمتلكها من الطبيعي أن يكون هو النائب الأول للرئيس، وأنه من الضروري أن نركز على البديل للرئيس والبديل موجود، لا يحتاج إلى بحث.
{ “علي عثمان”؟
– نعم، الحركة استثمرت الأستاذ “علي عثمان” منذ أن كان طالباً إلى أن أصبحت لديه كل هذه الخبرات، وأعرف أنه لم يكن متكالباً على المنصب، لكن ممكن يترشح لدورة واحدة فقط (يعمل نقلة للناس).
{ أستاذ “محجوب” علاقتك بالرئيس “البشير” وبالقصر كيف بدأت؟
– علاقتي بـ”البشير” بدأت من قبل أن يصبح رئيساً، هي علاقة مرتبطة بالأسرة، لكن أنا تشرفت بتسجيل البيان رقم واحد إذاعياً للعميد “عمر حسن أحمد البشير”، وفي مباني القيادة العامة في إذاعة (الوحدة الوطنية).
{ وقبل البيان رقم واحد.. نحن نعرف أنه كان لك دور في الثورة منذ بداياتها؟
– هناك أشياء السكوت عنها واجب، وهي كانت منظومة ضخمة كل واحد كان عنده دور، ولا يستطيع (ود مقنعة أن يدق صدره ويقول أنا سويت وسويت).
{ بحكم معرفتك اللصيقة بالرئيس “البشير”.. نريد إضاءات على جوانب غير معروفة عن شخصيته؟
– الرئيس “البشير” واحد من الذين يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، وهو لا يغضب ولا يزعل لنفسه، لكنه يزعل للناس الآخرين والحق العام.
أذكر أنه في إحدى المرات وأثناء إحدى النقاشات قال لنا (أنا قولي يطير انتو شن قولكم)، هذه العبارة عظُمت عليّ جداً، هذا منتهى التواضع والإيثار.
الرئيس طبعاً كان مغترباً في إحدى دول الخليج، ويعمل هناك برتبة وعندما عاد للبلاد جاء فقط بشهادة آخر مرتب، لم يوفر ولا جنيه واحد ليعود به، أحد أعمامه كان قد أرسل له خطاباً وقال له (داير لي لوري)، فأخذ “البشير” أمواله ومكافأة نهاية الخدمة وأعطاها لأخيه قال له (اشتري اللوري لعمنا).
أيضاً:
الرئيس “البشير” عنده أبقار، جاءه أحد الأشخاص قال له: (هناك شخص يبيع اللبن في (حي المطار) ويقول للناس هذا لبن الرئيس، فنادى الرئيس مدير مكتبه أخونا العميد “محمد هاشم بلال”، وقال له (أمشي بيع البقر) وبقدر ما حاول “بلال” أن يثني الرئيس رفض الرئيس وباع الأبقار، وتبرع بقيمتها للدفاع الشعبي (وجزء أمكن تبرع به لأخينا “هاشم بلال” ذاته عشان يتم به دكانه).
{ موقف مع الرئيس عالق بالذاكرة؟
– من الأشياء المثيرة جداً، عندما ذهبنا إلى اجتماع الأمم المتحدة في (نيويورك)، هناك سائق اسمه “نادر” من أولاد بحري، كان يقوم بقيادة العربة التي كنا نستقلها أنا وأخونا “هاشم عثمان” مدير عام الشرطة وأخونا “عثمان نافع” سفيرنا في (نيويورك) وأخونا السفير البلك قال لنا: ( أريد أن أسلم على الرئيس)، فأخذناه إلى محل إقامة الرئيس والرئيس سلم عليه ولاطفه، فقال له: (أنا كنت قايلك خواجة (طبعا هو من ناس بحري الحمر ديك)، وتعشينا في تلك الليلة في (نيويورك) في الطابق رقم (56)، وكان العشاء عبارة عن (فول وجبنة وطعمية)، والذي يعد لنا الطعام كان هو أخونا “محيي الدين” ربنا يديهو العافية).
عندما عدنا إلى هنا اتصل بي “نادر” من (نيويورك) بالتلفون وكان يبكي وهو يحادثني، فظننت أنه شعر هناك بالغربة بعد عودتنا، لكن قال لي: (الناس هنا قالوا لي أنت كذاب مرتين، مرة عندما قلت لهم إنني سلمت على (عمو “عمر البشير” في يدو)، ومرة عندما قلت لهم إن العشاء الذي تناوله “البشير” كان (فول وجبنة وطعمية).
قلت له طيب أعمل ليك شنو؟ هذه هي الحقيقة، لكن العالم لا يقبل الحقيقة.
{ كيف يقضي الرئيس يومه في القصر.. وهل يحرص على قراءة الصحف بنفسه؟
– يومه عادي، في الصباح يقرأ الصحف، ويتصفح النت، ويشرب شاي باللبن، وبعد ذلك يأخذ راحة شوية، ثم يبدأ يومه وبرنامجه بشكل عادي، وهو يصوم صياماً راتباً كل (أثنين) و(خميس)، ويصلي صلواته كلها في جماعة، لا يصلي منفرداً.
{ من هو الشخص الأقرب إلى الرئيس؟
– أي زول يتعامل مع الرئيس “البشير” هو مُقرب إليه.
أنا كنت مقرباً للرئيس و”هاشم عثمان” واحد من الناس المقربين جداً للرئيس، وأشهد الله أن “علي عثمان” هذا لا يمكن أن يتصل بالرئيس تلفونياً، عنده أدب صوفي رفيع يتصل بمدير مكتب الرئيس يقول له: (أنا أريد أن أتحدث مع الرئيس).
– أذكر أنه عندما جاء “علي عثمان” راجعاً من (نيفاشا)، الرئيس برتوكولياً طبعاً ما كان من الممكن أن يستقبله، لكن استقبله في بيت الضيافة، أستاذ “علي عثمان” عندما نزل من العربة خلع العمة من رأسه وسلم على الرئيس وهو حاسر الرأس، ثم بعد ذلك وضعها على رأسه، كان مشهداً ما في زول شافه وأنا أشهد الله على ذلك.
{ زيارات خارجية صحبت فيها الرئيس عالقة بذاكرتك.. (ليبيا) و”القذافي”؟
– الزيارات لـ(ليبيا) كانت واجباً ثقيلاً ومن أسوأ الزيارات، عندما يُقال إننا ذاهبون إلى (ليبيا) كان كل الطاقم يصبح مهموماً، لأن “القذافي” كان لا يُحسن ضيافة الناس ولا يحترم الزمن، وأحياناً كان يساهر بنا بدون طائل، كنا نجد معاملات سيئة جداً وهو كان متآلهاً والرئيس عنده مواقف كثيرة معه.
{ احكِ لنا واحدة من هذه المواقف؟
– أذكر أنه بعد هجوم “خليل” لأم درمان الرئيس قال لـ”القذافي” محتجاً: (نحن دمرَّنا هذه القوات لكن في المرة القادمة….)
فقال له “القذافي”: (هذه قبائل في بعضها، وكلها (300) عربة بتروح في معركة واحدة وخلاص).
كان يتحدث باستهتار يريد أن يبعد الاتهام عنه ويلقي به على “إدريس دبي”، فقال له الرئيس: (دا ما شغل قبلي دا شغل عسكري وتدريب ومعدات).
{ وماذا يعلُق بذاكرتك من رحلتكم إلى (الدوحة) التي جاءت عقب تهديدات المحكمة الجنائية الدولية؟
– زيارتنا إلى (الدوحة) بعد تهديدات المحكمة المزعومة، كانت زيارة تاريخية والناس كانوا خائفين، أنا شخصياً كنت خائفاً، كانت زيارة خطيرة جداً، وأُحيي الطيار “مصطفى التني” الذي قام بدور بطولي.
{ ما هو الدور الذي قام به؟
– عمل عملية تمويه فوق البحر الأحمر، وأذكر أن الرئيس كان مصراً جداً على أن يسافر بالطائرة المخصصة له، دولة (قطر) كان من الممكن أن تقدم له طائرة، لكنه أصر على الذهاب بالطائرة المخصصة له، وبعدما نجحت الزيارة قال لي الرئيس: (أنا لو ما كنت سافرت (الدوحة) تاني عمري كله ما كنت حا سافر).
{ زياراتكم لـ(مصر) ومواقف مع “حسني مبارك”؟
– زيارة القاهرة مثل أكل المستشفيات، كانت عملية محفوظة وطابور ثابت، (تتوقف طائرة الرئيس يتقدم “حسني مبارك” يصافح الأخ الرئيس، ثم يأخذه معه في عربته، ثم نركب نحن العربات، وتكون شوارع القاهرة على اكتظاظها وازدحامها – خالية من المارة، لا يكون هناك أحد في الشارع إلى أن نصل. يدخل الرئيسان، ثم بعد قليل يأتي مسؤول المراسم يطلب من المصورين أن يدخلوا بكاميرات لدقيقة واحدة بالضبط، ثم بعد ذلك يقدمون لنا الغداء، ثم نركب العربات ونقفل راجعين.
أحياناً حتى الوفد المرافق للرئيس من كبار الوزراء لا يحضرون أية مقابلات، وبعد ما ندخل الطائرة نقول للصحفيين (اتفق الطرفان على العلاقات ذات الطبيعة المشتركة)، زيارات بلا معنى.
{ المخاطر التي تعرضت لها طائرة الرئيس كثيرة؟
– واحدة من أخطر الرحلات التي قمنا بها، كنا بين رواندا وجنوب أفريقيا، كانت هناك عاصفة أمطرت طائرتنا بكتل ثلجية وأظلمت تماماً، واهتزت الطائرة وارتفعت لأقصى درجات الارتفاع لأكثر من (40) ألف قدم، كانت هناك أصوات ضخمة عالية وظلام كثيف، كل الذين كانوا بداخل الطائرة أصيبوا بالإضطراب ما عدا السيد الرئيس. ثم بعد فترة هدأت العاصفة ونزلنا بسلام وكأن شيئاً لم يكن.
{ أستاذ “محجوب” الرئيس عنده..
– مقاطعاً بسرعة..
– عنده أمه.. لا يبدلها بأي شيء.. لا يسافر إلا بعد آخر حاجة يلاقي أمه ويصافحها، وبعدما يعود أول شيء يعمله هو أن يذهب إلى أمه.
{ أنت تعرف الرئيس من قبل أن يصبح رئيساً.. هل هناك تغيير؟
– أبداً، أنا أعرف أنه حتى الآن في أسرته ينادونه بـ”عمر” (حافة).
{ الخطابات التي يلقيها الرئيس من الذي يقوم بكتابتها؟
– الخطابات الكبيرة مثل خطابات البرلمان تشترك فيها مجموعة من اللجان، أما خطابات المناسبات فمعظمها كنت أكتبها أنا، والخطابات التي أكتبها كانت تعجب الرئيس، وأحياناً إذا قام بكتابتها شخص آخر كان يقول لهم أنا أحب أقرأ كلام “محجوب” لأنه يعبر عني، أنا لا أريد أن أخاطب الناس وهناك الملايين منهم أميون وأنا رئيسهم، لا أريد أن أخاطبهم بلغة صعبة.
{ من هم أصدقاء “البشير”؟
– أصدقاؤه كُثر.. يعني كل الناس الذين حوله ويقومون معه بدور هم أصدقاؤه، (المقاول) الذي كان يعمل في بيته صديقه، و(الطُلبة) صديقه و”البشير” نفسه كان يعمل (طُلبة)، وسنه المكسورة هذه كسرتها (السقالة)، “البشير” أصدقاؤه من الكبار والصغار، وهو كما نقول بالبلدي (مع الكبير كبير ومع الصغير صغير)، هذا أصدق وصف.
{ مواقف أحزنت “البشير” فبكى أو أدمعت عيناه؟
– المواقف المحزنة كثيرة.
{ هل بكى الرئيس أو أدمعت عيناه في وجودكم؟
– هذه مشاعر إنسانية نسأل الله أن لا يحرم منها أحداً، بكى في وفاة “مجذوب” وبكى عندما استشهد “الزبير”، وبكى عندما استشهد “إبراهيم شمس الدين”.
{ ومواقف أسعدته جداً؟
– والله الحاجات المفرحة ما كثيرة في هذا البلد، لكن أستطيع أن أقول إن “البشير” دائماً عنده في لسانه كلمة (خير) كل أمر عنده خير.
{ لمن من الكتاب والصحفيين تقرأ؟
– اقرأ على حسب الموضوع.
{ وأي الموضوعات تفضل قراءتها؟
– موضوعات الساعة.
{ هل هناك كتاب أو أعمدة صحفية معينة تتابعها أو تقرأها بصورة راتبة؟
– كتابات “محمد إبراهيم الشوش”، معجب بكتاباته التي كان ينشرها في صحيفة (الرأي العام).
{ ما هي أخبار “عمر البشير” الصغير؟
– بخير وهو بالصف الثالث أساس.
{ أستاذ “محجوب” أنت من القريبين إلى الرئيس “البشير” ما هو السر في ذلك؟
– هي مشاعر إنسانية، والسر هو أنني لا أطلب شيئاً لنفسي، والدليل على ذلك أنني الآن أسكن بالإيجار، بعدما خرجت من القصر الرئيس اشترى بيتاً لأولادي في الجريف، وأنا الآن أعتبر نفسي من أصحاب الأملاك، عندي قطعة أرض (300) متر مرهونة لـ(بنك السودان) لأنني أدفع قيمتها بالأقساط، وعندي سيارة مرهونة للبنك أسدد قيمتها بالأقساط أيضاً.

حوار – سوسن يس
صحيفة المجهر السياسي

Exit mobile version