الطاهر ساتي
(أنا ذاتي بقاطع اللحوم) .. خطاب حكومي ..!!

** ويبدو أن المجلس التشريعي بولاية الخرطوم متأثر بنهج القذافي، ومعجب بتصرفاته تلك..فلنقرأ الحدث ورد فعل هذا المجلس التشريعي..أسعار السلع في أسواق الخرطوم بلغت أرقاماً فلكية..والذي يدخل سوق الخضر والفاكهة بكامل عقله، يخرج إن خرج – أي إن لم يمت بالسكتة القلبية – بنصف العقل أو بلاعقل..وقديماً حين تمر برجل يتحدث مع نفسه تحسبه يهاتف الآخر بالهاتف السيار، ولكن اليوم حين ترى ذات الرجل يتحدث مع نفسه توقن تماماً بأنه تجرأ واشترى كيلو لحم أو نصف كيلو طماطم..لدينا – بفضل ثورة التعيين الوزاري- على المستويين الاتحادي والولائي (دستة وزراء زراعة)، وكذلك مثلها من كم بلا كيف (وزراء ثروة حيوانية)..ومع ذلك، مجرد تفكير يوم في شراء كيلو لحم – هذه الأيام – قد يشغلك مدى العمر عن التفكير في مآلك وحالك حين يواجهك الملكين بأسئلتها في (ود الأحد)، أما الطماطم فقد أوشك أن يجد مساحة في أشعار الشعراء الذين يصفون حبيباتهم بكل ما هو غالٍ ونفيس ولا يمكن الوصول إليه إلا على صهوة فرس الخيال..ولك أن تتخيل حال عامل راتبه لايتجاوز ثلاثمائة جنيه، وملزم بشراء كيلو طماطم ب(12/15 جنيهاً)، ورطل اللبن بـ(1,5 جنيه).. وكذلك لك أن تتخيل حال معلم راتبه لايتجاوز خمسمائة جنيه حين يفكر في شراء كيلو لحم بـ(30/ 34 جنيها) ، ورطل الزيت بـ(6 جنيهات)..!!
** أمام هذا الوضع المأساوي، فكرت جمعية حماية المستهلك في كيفية أداء دورها في المجتمع بحيث يكون دوراً معبراً عن المجتمع ويعكس رفض الناس لما يحدث..عقدوا منتدى و ناقشوا فيه غلاء الأسعار ومخاطره على الأسر، ثم قرروا التعبير بلسان حال تلك الأسر، واتخذوا مقاطعة اللحوم لمدة ثلاثة أيام كوسيلة تعبير..شيء طبيعي، حيث هناك استياء شعبي من غلاء الأسعار، وهناك إحدى منظمات المجتمع المدني تسعى إلى عكس ذاك الاستياء لمن يهمهم الأمر، وهم سادة الحكومة.. ولكن تأمل رد فعل بعض سادة الحكومة، وهم نواب نافذون بالمجلس التشريعي لولاية الخرطوم.. رد فعلهم أمام هذا التعبير الشعبي لايختلف كثيراً عن رد القذافي ذاك، إذ يقول أحمد دولة رئيس اللجنة الاقتصادية بالمجلس التشريعي بنص فحواه (نعم لمقاطعة اللحوم، والمجلس يدعم هذه المقاطعة، ومقاطعة اللحوم لن تتسبب في موت المواطنين، بل هي حل جذري لكبح جماح الأسعار..نعم للمقاطعة)، هكذا رد الفعل الرسمي، فتأملوه.. بالله عليكم، هل يختلف عن رد فعل مجنون ليبيا القائل (أنا ذاتي بطلع معاكم في المسيرة) ..؟.. لافرق .. وعليه، يجب أن يكون لمجلسك التشريعي – يا رئيس لجنته الاقتصادية- وسائل أخرى لمعالجة قضية غلاء أسعار السلع، وليست من بينها (مقاطعة السلع) ..المقاطعة ليست حلاً جذرياً للغلاء أيها التشريعي، بل هي وسيلة تعبير شعبي مراد بها تنبيه صناع القرار – بمن فيهم سيادتك – بأن الحياة لم تعد تطاق.. وليست من المسؤولية – حقيقة كانت أو مجازاً- أن يشاطر صناع القرار عامة الناس أحزانهم وغضبهم وكأنهم ليسوا بمسؤولين عنهم بلسان حال قائل (ده الكلام الصاح ، أنا ذاتي بقاطع معاكم اللحوم) .. فالمسؤولية – حقيقة كانت أو وهمية – تقتضي بأن يتحمل نواب البرلمان والمجالس التشريعية مهام دراسة أسباب الغلاء ثم محاسبة أجهزة الدولة التنفيذية على تقصيرها في أداء واجبها، وليست من المسؤولية أن يكون رد فعل الجهاز التشريعي موقفاً غير مسؤول كما يحدث حالياً .. وهب أن جمعية حماية المستهلك غيرت وسيلة التعبير عن ضنك الحياة من (مقاطعة اللحوم) إلى (إسقاط حكومة الخضر وجهازها التشريعي)، فهل يخاطبها الجهاز التشريعي بخطاب من شاكلة (أنا لو كنت مسؤول كنت رميت ليكم استقالتي في وشكم)..؟..ماهذا الجفاف الذي حل محل العقل في طرائق تفكيركم ..؟؟ [/SIZE]
إليكم – السوداني
[email]tahersati@hotmail.com[/email]
