د. عبد الماجد عبد القادر: صلاة العصر في القصر

[JUSTIFY][SIZE=4]الفنان الكاريكاتيرست فايز نشر في صحيفة (آخر لحظة) أمس الاول رسماً معبِّراً لرجلين أحدهما الشخصية النمطية التي تمثل زولاً مقطّع ومحتار ومهموم ومخلوع ومذعور ومنزعج ويلبس هدوماً ممزقة ومع ذلك تجده يقرأ الصحف ويعلق على الأخبار… وصديقه الرجل الآخر مواطن يلبس عمامة لكنه لا يختلف كثيراً عن الأول فيما عدا أنه دائماً يتساءل عن معاني ومآلات الأخبار الواردة في الصحيفة التي يقرأها الزول (الكحيان).

وفي الكاريكاتير يقرأ الأول وهو يحمل الصحيفة (حزب الأمة القومي يتعهّد بتحرير البلاد من قبضة الوطني).. والثاني يسأل الثاني بكل البراءة قائلاً: (يعني حيصلّوا العصر في القصر؟!)… وقبل أن نسترسل نحكي الطرفة التي تقول إنه على أيام الرئيس المرحوم جعفر نميري كان الرئيس قد استدعى مجموعة من المسؤولين من الأقاليم القريبة ومن العاصمة ليزوروا ولاية الجزيرة. وطلبوا منهم مرافقة وفد الرئيس الذي سيبدأ تحركه من القصر الجمهوري بعد صلاة الظهر مباشرة. وفعلاً تجمع كل المدعوين وكان من بينهم أحد (المسؤولين) الكبار والذي كان (خفيف التدين) وقليل المعرفة بالصلاة والشعائر الدينية… وقد لاحظ المسؤول الكبير أن الناس قد صلّوا في الظهر ركعتين فقط ولأنه كان قد درس في المدرسة الابتدائية أن صلاة الظهر أربع ركعات فقد استغرب وسأل الشخص المجاور له في صف الصلاة عن سبب (تخفيض) الصلاة وجاره أعطاه التفسير قائلاً (هذه هي صلاة القصر)… وصاحبنا اعتقد أن كلمة القصر تعود إلى القصر الجمهوري ولم يربطها (بقصر الصلاة).. ورد على الآخر قائلاً (خلاص تاني طوالي نجي نصلي في القصر عشان التخفيضات الكبيرة دي).

ونرجع لسؤال صاحبنا بتاع الكاريكاتير عن تعهد حزب الأمة القومي أو غيره من الأحزاب بتحرير البلاد من قبضة حزب المؤتمر الوطني أم أن ذلك سيكون ممكناً عملياً (بصلاة العصر في القصر)!!.

ونتفق مع ناس حزب الأمة بأن تأثير (الوطني) في السودان قد كان كبيراً وعميقاً وبعيد المدى لكننا نشك في مقدرة الأمة القومي أو غيره من الأحزاب على (تحرير) البلاد من هذا التأثير إن جاز أن نسميه تحريراً ذلك لأن الأحزاب التقليدية كلها لم يعد لها تأثير كبير في حياة الناس حتى في مظان وجودها التقليدية ومراكز ثقلها في الأقاليم. أما في العاصمة القومية فمن المؤكد أن تأثير الأحزاب قد تلاشى تماماً. وعلى الرغم من أنني (ما مؤتمر وطني) لكن تقتضي الأمانة العلمية أن نقول إن الآثار التي تركها الوطني سواء كانت سالبة أو موجبة والأعمال التي قام بها سواء كانت نافعة أو ضارة جعلت له أثراً لا يمكن محوه ولا في نصف القرن القادم… ولعلنا نتذكر أن المؤتمر الوطني حزب عمره الآن ربع قرن من الزمان.. وعندما دقت مزيكة الإنقاذ في عام (1989) فإن الأطفال الذين ولدوا في ذلك اليوم صاروا الآن خريجين وبعضهم تزوج عبر برامج الزواج الجماعي (بتاع الوطني) وصاروا آباءً. والأطفال الذين كانت تبلغ أعمارهم عامين وثلاثة وخمسة وعشرة وحتى خمسة عشر عاماً هم الآن في مرحلة أواخر فترة الشباب وبعضهم ربما دخل مرحلة الشيخوخة… وهؤلاء لم يسبق لهم أن سمعوا أو عرفوا شيئاً عن الأحزاب ولم يدخلوها ولكن من المؤكد أنهم دخلوا الخدمة الوطنية وتعايشوا مع المعسكرات وعملوا في الإجازات الصيفية وبرامج التدريب والدفاع الشعبي وقطاعات الشباب والمرأة والطلاب واتحادات العمل واتحادات كذا وكذا وكذا… وكلها عبارة عن مواعين إن لم تكن تتبع للمؤتمر الوطني مباشرة فهي بالضرورة تحمل ملامحه ونكهته وطعمه ولونه ورائحته وتغرف منه وفيه.. وكل هذه المؤثرات أنتجت كماً هائلاً من الكتلة البشرية التي لها علاقة بالمؤتمر الوطني ولا تعرف غيره وتصل نسبتهم إلى 65 في المائة من إجمالي السكان. ولا يغالطنا أحد في أن مواقع العمل التي لها ارتباطات وتواصل مع الوطني أو قل الحركة الإسلامية قد استعانت بالكوادر والكفاءات التي صارت هي الأخرى ذات نكهة وطعم ورائحة تشبه (المؤتمر الوطني أو الإنقاذ أو الحركة الإسلامية).

وبهذا فإن (الناس ديل) قد صار لهم في كل دار (مندوب) وفي كل بيت (ممثل) وفي كل أسرة (عامل) وفي كل حوش (موظف) وفي كل مربوع (مراقب) وفي كل حي (زول) مثلما لهم في كل بيت (شهيد). وبالطبع كل هؤلاء يمثلون أصلاً أولاد وبنات الأحزاب الأخرى. ثم إن ناس الحركة الإسلامية لم يجعلوا وظائف الدولة ووزاراتها حكراً على بيوت الزعامة والولاء الطائفي ولكنهم نزلوا بها إلى الأصقاع والريف و(الخلاء) فصار هناك وزير من قرية نائية لا تصلها إلا الجمال، ووزير من حلة يسكن أهله في غرفة من الطين وزريبة من الحصير.. ووزيرة جاءت من أهلها باللواري وقطعت شوطاً من رحلتها (كداري) أو على ظهر حمار (دبزاوي). هذا بينما يخص أهل الأحزاب أولادهم المقرّبين بالوظائف التي تتكرم بها عليهم الحكومة توسيعاً للقاعدة.

ولا يختلف اثنان في أن (الناس ديل) على الرغم مما يقال في بعضهم أو فيهم كلهم قدحاً أو شتائم قد زاروا المريض وشيعوا الميت وعرضوا في الزفة مع الناس ورقصوا في الأعراس وربما أن بعضهم ركز و(انجلد) في الدلوكة وهو يقول الله أكبر، ودفع في الكشف وزار المريض في المستشفى وتبرع للمحتاج وهذا ما لم يفعله ولن يفعله أعضاء ولا زعماء الأحزاب الأخرى الذين يبدو أن جيبهم (فيه عقرب).. ولهذا كله ولأسباب أخرى لا مجال لذكرها فإن تعهد بعض الأحزاب بتحرير البلاد من المؤتمر الوطني قد تختزل في صلاة العصر في القصر (قصراً) وهي متاحة طبعاً.

صحيفة الإنتباهة[/SIZE][/JUSTIFY]

Exit mobile version