الخبير في الشأن الجنوب سوداني العقيد أمن «م» عثمان قرنق

[JUSTIFY]التطورات الأخيرة التي شهدتها جمهورية جنوب السودان مخطئ من يظن انها وليدة اللحظة أو جديدة الأسباب والدوافع فالمتابعون للشأن الجنوب سوداني يرجعونها لعوامل مرتبطة بتاريخ الحركة الشعبية وما شهدت أروقتها من تفاصيل مجريات مهمة طوال مسيرتها خلال سنوات حرب الجنوب السوداني 3891م- 5002م أو خلال الفترة الانتقالية التي أعقبت التوقيع على بروتكولات السلام حيث أفرزت تلك السنوات الست 5002م- 1102م الكثير من النتائج ولعل الحادث الأبرز فيها موت عراب ومؤسس الحركة الدكتور جون قرنق دي مبيور 13 يوليو 5002م والذي آلت بعد وفاته مقاليد الحركة للفريق أول سلفاكير مارديت والذي أصبح لاحقاً رئيساً لجمهورية جنوب السودان.
والمتابعون للشأن الجنوب سوداني يرجعون تفاعل هذه الأحداث لكل ذلك ولغيره من الأسباب والعوامل..
العقيد أمن «م» عثمان احمد حسن والمعروف لدى أوساط عديدة من معارفه وزملاءه في سنوات الدراسة الجامعية وخلال عمله بجهاز الأمن والمخابرات الوطني بـ(عثمان قرنق) التقته الوطن في حوار غير عادي لعبت فيه الصدفة المحضة دوراً كبيراً في اتمامه ورب صدفة خير من الف وعد..
والعقيد أمن «م »عثمان احمد حسن ومنذ سنوات الدراسة الجامعية حيث جمعتنا سوياً كلية الحقوق بجامعة القاهرة فرع الخرطوم كان مهتماً بالدراسات الاستراتيجية والسياسية الخاصة بجنوب السودان حيث كان ملماً بتفاصيل قبائل جنوب السودان «لغاتها – لهجاتها – أعراقها – تاريخها – أصولها الاثنية- جغرافية تحركاتها – قوانينها المحلية – وربما كل ذلك اهله للإمساك بملفاتها حينما التحق للعمل لجهاز الأمن والمخابرات الوطني وبعض سفارات السودان ببعض الدول الافريقية المجاورة للسودان.
التقيته نهار أمس الاول الجمعة بمدينة الشاطئ بأمدرمان فكانت إفاداته التالية محصلة الحوار..
الوراثة المفاجئة:
سألته: بداية ماهي القراءة الصحيحة للتداعيات التي شهدتها جمهورية جنوب السودان مؤخراً؟
أجاب قائلا : الفريق أول سلفاكير رئيس جمهورية جنوب السودان ورث حكم جنوب السودان بصورة مفاجئة نتيجة لوفاة الراحل قرنق ، فوجوده في ظل حياة قرنق كنائب أول له كان مجرد مناورة من قرنق لاسكات المجموعات السكانية في بحر الغزال، حيث كان المتنفذون الحقيقيون في الحركة هم أبناء بور الذي ينتمي إليهم جون قرنق قبلياً، وبالتالي كان وضع سلفاكير كتائب أول لقرنق لا يتيح له الإمساك بكل ملفات إدارة جنوب السودان لذلك عندما توفي قرنق وأصبح هو رئيس الحركة ورئيس حكومة الجنوب قبل الانفصال ورئيس جمهورية جنوب السودان بعد الانفصال أجرى تعديلات طفيفة في كبانية الحكم..
سألته مقاطعاً.. ولكن هل ينسحب ذلك على علاقة سلفاكير على مجموعة أبناء أبيي المشمولة بعض قياداتها بالتداعيات الأخيرة؟؟
رد قائلا: طبيعة العلاقة بين سلفاكير كممثل لمجموعة بحر الغزال مع أبناء مجموعة أبيي متوترة «دينق الور الفريق بيانق دينق مجوك- لوكا بيونق ادورارد لينو» هناك هواجس وشكوك وعدم ثقة بينهم وبين مجموعة بحرالغزال، وسلفاكير كادر استخباري تاريخي تعامل مع مجموعة أبيي بالطريقة الاستخبارية فظل يجمع المعلومات ويحللها ونتيجة لذلك صبر السنتين الماضيتين بعد انفصال الجنوب، وظل يجمع المعلومات ويحللها ويقرأ مآلاتها ويستشرق مستقبل هذه المجموعة وفقاً لتلك المعلومات ونتائجها المتوقعة.
وكذلك الحال بالنسبة لنائبه السابق الدكتور رياك مشار حيث كلفه بملف جيش الرب قبل الانفصال وكذلك كلفه بملف أزمة النفط مع الخرطوم كل ذلك لم يأت من فراغ بعدها في نهاية العام الثاني أصبحت الصورة واضحة بالنسبة له.
سألته مقاطعاً: ألا تعتبر هذه الخطوات التي اتخدها الرئيس الجنوب سوداني سلفاكير فيها شئ من التسرع وربما خلفت له اثار سالبة لا سيما مع قبيلة النوير بعد أزاحت رمزها في حكم الجنوب الدكتور رياك مشار؟
رد قائلا : دعني أكمل لك اجابتي السابقة كان هدف سلفاكير هو إجراء الجراحة واستئصال أطراف في جسد حكومته لقناعته بان ذلك يؤمن له فترة حكم ثانية عبر صندوق الانتخابات وهذه الخطوة لا تتأتى لا بترتيب الأوضاع وتقليم أظافر المناوئين د. رياك مشار مجموعة بور ومجموعة أبيي.
اما الحديث عن تأثير هذه التداعيات عى قبيلة النوير فهو صحيح لأنهم هم المجموعة الاثنية الثانية في جنوب السودان وهم متمردون بطبيعتهم على كل الأنظمة التي حكمت السودان منذ الاستعمار البريطاني وهم أهل مقاومة ومقاتلون شرسون ولهم طموحاتهم في حكم السودان وما حكاية ون دينق ببعيدة عن الأذهان وهو النبي الذي يؤمن به النوير.
إزاحة مشار دون خسارة النوير:
ويضيف قائلا : سلفاكير أراد التخلص من د. رياك مشار لأنه أبدى صراحة تطلعه لقيادة الحركة الشعبية وتمهيداً لقيادة جنوب السودان وهو يأتي في سياق تطلعات النوير التاريخية..
والتخلص من رياك ليس ببدعة ابتدعها الرئيس سلفاكير فكل الدول حول جنوب السودان الرؤساء فيها لا يسمحون لنوابهم أن ينافسهم، فالنائب لا يحكم إلا في حالة واحدة بعد وفاة الرئيس.
لكن المقصود من كل هذا هو إزاحة رياك مشار وليس خسران النوير.
سألته مقاطعاً : ولكن من يضمن أن النوير سيتعاملون بما حدث بانه ليس خسران لهم ..؟؟
أجاب قائلا : د. رياك مشار هو صحيح من رموز النوير بمعطيات حكاية ون دينق ولكن الفترة الفائتة كانت كافية للرئيس سلفاكير لادارة عقله وتصعيد من يسدوا فرقة د. مشار من النوير ليملاؤا الفراغ سياسياً وعسكرياً وهم جيمس أوث ماي ورياك فقاي وجون لوك وآخرين..
الصفات الثلاث المجتمعة:
سألته : ولكن من تحديداً سيسد فرقة د. رياك مشار من هؤلاء الذين ذكرتهم ؟
أجاب قائلا : النوير أصلا كقبيلة ليس لديهم سلطة مركزية فالولاء يتم للسلاطين والسلاطين يوالون أحد القيادات العسكرية
في إعتقادي الشخصي أن الفريق جيمس أوث ماي يمكن أن يلتف حوله النوير كقيادة عسكرية وقبلية وسياسية فجمعه بين الصفات الثلاث يجعله الأكثر تأهيلا لخلافة د. رياك مشار
أبناء أبيي والغبن التاريخي :
سألته وأين أبناء أبيي من المعالجة خاصة أن معظم قياداتهم البارزة أصبحت خارج دائرة الفعل بجنوب السودان ؟
رد قائلا : أصلا أبناء أبيي عندهم عقدة تاريخية منذ العام 8691م لأنهم طلبوا حق الإلتحاق بالشمال وأبيي وقتها كانت تابعة لرئاسة الجمهورية ويتوقع اتفاقية أديس أبابا تم التعامل مع أبيي كمنطقة شمالية ولم يحظ سكانها بفوائد مما جعلهم يحسون بالغبن ولما قامت الحركة الشعبية دخلوا فيها بمجموعات كبيرة فأصبحوا متنفذين فيها بحكم تعليمهم الذين نالوه نتيجة وجودهم في الشمال.
الرئيس سلفاكير وهو من بحر الغزال ورث هذا الوضع النافذ لأبناء أبيي وهم محل اتهامه بتعقيد المشكلة ليحافظوا على وضعيتهم المتميزة في الحركة الشعبية وقيادة الدولة.
المشكلة الآن بالنسبة لسلفاكير إيجاد بدائل لمن أبعدهم من أبناء أبيي.. عموماً وضعية أبناء أبيي معقدة بحكم تعليمهم وعلاقاتهم المتشابكة في المحيط الدولي من خلال وجودهم في المنظمات الدولية وعلاقاتهم المؤثرة.
وسيتم توظيفها لمصلحة بقاءهم في كبانية القيادة
٭ الجنوب ليس بمعزل عن ما حوله:
سألته: هل يمكن أن تدخل هذه التداعيات جنوب السودان في دورة عنف من أجل السلطة؟
أجاب قائلاً: العنف السياسي في المنطقة المحيطة بجنوب السودان مسألة موروثة ومعروفة بإستثناء كينيا فكل الدول حول جنوب السودان غير مستقرة راجع تاريخ الكنغو وأفريقيا الوسطى ويوغندا ورواندا وبورندي والسودان وتشاد هذه الدول كلها يسود فيها العنف السياسي بأي شكل من الأشكال ولا يمكن لجنوب السودان أن يعيش بمعزل عما يدور حوله.
٭ سألته: الإجابة مصممة هل سيكون هناك تعايش بين مكونات دولة جنوب السودان؟
ـ أجاب قائلاً : الخوف قد يدعو الإستقرار بأعمال نظرية توازن الرُعب التي أفرزتها الحرب الباردة ولما كان الجميع في جنوب السودان مسلحين ولهم مليشيات مسلحة يمكن أن يتعايشوا وفقاً لهذه النظرية وفي ذات الوقت يحتفظون على وضع الأصبع على الزناد.
٭ التوأم «السيامي»
سألته: على خلفية التداعيات التي شهدتها جوبا ما مستقبل العلاقة بين السودان وجنوب السودان؟
ـ أجاب قائلا: السودان وجنوب السودان يكفي أنهما السودان وجنوب السودان هما شركاء كالتوأم السياسي وأية محاولة إستئثار أياً منهما بحقوق الآخر قد يؤدي بهما الإثنين.
أعتقد أن تشكيلة الحكومة القادمة في جنوب السودان إذا جاءت متفاهمة مع السودان بشأن قضيتين مهمتين هما «الأمي بمعناه الواسع وقضية النفط» ستمكن الرئيس سلفاكير من الجلوس على كرسيه ليتعرف على ماذا يحتاج جنوب السودان من حياة كريمة وتنمية وإستقرار .. بدون الأمن مع السودان والمصالح النفطية لا يمكن للجنوب أن يفكر في التنمية والتطور.
ويضيف مستدركاً قائلاً: كنت أعمل في السفارة السودانية بيوغندا خلال عقد التسعينيات من القرن الماضي وإلتقينا مع المستشار الأول حسن نقور ـ الآن سفير بوزارة خارجية جمهورية جنوب السودان ـ بالرئيس اليوغندي يوري موسفيني حيث قال لنا من جملة حديثه إن أكبر مشكلة يواجهها في يوغندا هي تصدير النفط الذي يتم اكتشافه في يوغندا. فالدراسات أكدّت أن التصدير لا يتم إلا عبر السودان لأن محاولة تصديره عبر كينيا تجعل تكلفة النقل والتأمين أكبر من العائد من بيعه.
وقد قمنا بوصفنا ممثلين لحكومة السودان بيوغندا بتمليك الجهات الرسمية هذه المعلومة للتعامل معها فما بالك بنفط جنوب السودان!!
٭ مصالح بينية ومنافع مشتركة
ـ سألته من خلال خبرتك الطويلة في التعامل مع الجنوب ومشكلة الجنوب ودول جوارالجنوب كيف تنظر لمستقبل علاقته مع السودان .. هل ستعود الوحدة؟
٭ أجاب قائلاً :
الآن النفوس مشبعة بمشاعر سياسية«إنفصال هنا ـ إستقلال هناك» لكن بعد عقد من الزمن تهدأ النفوس والجيل المحارب سيتقاعد منه عدد كبير والبقية ستصل سن العقل ليكتشف الجميع أن ما يربط الناس على تخوم الحدود أكبر مما يتصورون وأن المصالح البينية والثقافة المشتركة تجعل الناس أكثر قرباً.
أن تنفصل دولة ولجزئين أو أكثر أو تتوحد أجزاء لتشكل دولة ليس بدعاً في التاريخ أن التعامل مع المصالح المشتركة هو الذي سيرسم خارطة الطريق في المستقبل.
٭ لا يمكن تجاوز الجغرافيا
ويضيف قائلاً: هناك حقائق في الجغرافيا لا يمكن تجاوزها بسهولة مثلاً من الناحية التجارية شمال السودان وجنوب السودان ينقطعان لفترة لا تقل عن خمسة أشهر بينما الطرق بين الجنوب والكونغو ويوغندا وكينيا تظل سالكة طوال العام والتعرفة الجمركية في هذه الدول أقل بكثير من السودان وإذا وقفت في بور فالطريق إلى ممبسا أقرب من بورتسودان علينا الوعي بهذه الحقائق أولاً ومن ثم تصحيح سياساتنا وإستراتيجياتنا لاستيعاب هذه الحقائق المؤثرة لنضمن تواصل مريح وجوار آمن وتبادل سلعي وخدمي للطرفين.
٭ للعقلاء ولغير العقلاء أقول :
ويضيف قائلاً ومختتماً الحوار انفصال دولة لها علم وشعار ونشيد وطني وبرلمان وحكومة لا يعني انفصال شعب إنما يعني شعب يعيش في دولتين أنظر إلى الصين وكوريا ورواندا وبورندي.
فإلى عقلاء الشمال والجنوب أقول أنتم ستورثون الأوضاع بعد إنقراض المجانين رتبوا ملفاتكم وأوضاعكم لمصلحة الشعب السوداني..
اما لغير العقلاء في الشمال والجنوب فأقول لهم أقرأوا سير وتاريخ نيرون وهتلر وموسليني واحتكموا للعقل..
انتهى الحوار

حاوره: معاوية أبوقرون: صحيفة الوطن

[/JUSTIFY]
Exit mobile version