ومبادرة البشير التي ازاح النائب الاول الستار عنها، واكدتها نائبة رئيس البرلمان، لا تزال كما يبدو في طور الدراسة والمشاورات والمباحثات، وذلك من واقع عدم طرحها للرأي العام والذي يجهل بنودها الا ما تسرب منها في بعض وسائل الاعلام، «التي ربما كانت صحيحة او اجتهادات اعلامية»، بل ان قيادات تصنف من قائمة صناع القرار واولئك المؤثرين في المطبخ السياسي بالبلاد والحزب الحاكم ظهر عليهم وكأنهم لا يحيطون بتفاصيل ما يعكف الرئيس على اعداده، ويبدو احتمال معرفتهم ايضا واردا، الا ان مراقبين يرجحون ان تكون مشاورات الرئيس حول مبادرته لحل مشاكل البلاد مختصرة على شخصيات محددة، وما يعزز هذه الفرضية ايراد احد الصحف خبرا مفاده ان الرئيس يجري مشاوراته المكثفة مستعينا بمدير جهاز الامن الوطني والمخابرات الفريق أول محمد عطا، ووزير الموارد المائية والكهرباء أسامة عبد الله، والأمين العام للحركة الإسلامية الزبير أحمد الحسن، بشأن حكومته الجديدة.
واختصار مشاورات الرئيس على شخصيات محددة ليس من بينها نائبه الاول علي عثمان طه، ومساعده في الحزب الدكتور نافع علي نافع، ووزير الطاقة عوض الجاز، ورئيس البرلمان احمد ابراهيم الطاهر، يشي بان ثمة تغييرا في طريقه ليصبح واقعا، فعدم مشاورة الرئيس لكبار قادة الانقاذ الذين ظلوا لعقدين ويزيد مؤثرين في اتخاذ القرارات، يعني ضمنيا بحسب مراقبين ان ملامح المرحلة القادمة ربما تأتي مختلفة تماما عن سابقتها، وانها لن تشهد ادوارا لصناع القرار بالامس، بل وربما انهاء تكليفهم من العمل التنفيذي، وما يعضد هذا الاعتقاد انباء رشحت في اليومين الماضيين تشير الى أن أغلب طاقم الوزراء الحاليين سيخرج من الحكومة، وأن التشكيل الجديد سيضم عددا من «التكنوقراط»، بل اشارت انباء اخرى الى ان وزيري المعادن والكهرباء فقط هما من ستكتب لهما الاستمرارية.
ويشبه مراقبون احتمال خروج الحرس القديم بقيادة علي عثمان ونافع علي نافع وعوض الجاز وغيرهم من قيادات الصف الاول، من التشكيل الوزاري القادم بالمفاصلة الثانية للاسلاميين، ليس لانها ربما تشهد مقاومة من الحرس القديم لانفاذ رؤية الرئيس، ولكن لأنها ستبعد وجوها ظلت تسيطر على مقاليد الامور بالدولة والحزب منذ المفاصلة الاولى في الرابع من رمضان نهاية العقد الماضي، معتبرين ان حدث مثل هذا اذا وقع ستترتب عليه الكثير من التوابع التي لا يمكن التنبوء بها.
ورغم مشاركة رئيس الحركة الاسلامية في مشاورات الرئيس، الا ان تراجع مشاركة الاسلاميين في خارطة الرئيس القادمة تبدو واردة وذلك من واقع وجود اتصالات مع احزاب وقوى سياسية معارضة ومسلحة للمشاركة في الحكم خلال المرحلة المقبلة بحسب ما رشح من انباء، والاشارة الى مشاركة مرتقبة لحركة العدل والمساواة بقيادة جبريل ابراهيم تذهب في هذا الاتجاه، كما ان مصادر اكدت حرص رئيس الجمهورية على مشاركة حزب الامة القومي، والمؤتمر الشعبي الذي بدأت خطوط تقاربه مع اخوان الامس واضحة خلال الفترة الاخيرة، ولعل الاشارة الى لقاء مرتقب بين البشير والترابي توضح ان مشاركة الشعبي تبدو واردة بنسبة كبيرة برغم بروز اصوات رافضة داخل الشعبي.
كذلك اشارت المصادر الى الابقاء على مشاركة الاتحادي الاصل، الذي قرأ مراقبين تأكيد رئيسه محمد عثمان الميرغني، بان «الشراكة في الحكم بين حزبه، والمؤتمر الوطني بزعامة الرئيس عمر البشير، ليست رباطا مقدسا، لا فكاك عنه، وإنما هي اتفاق قابل للمراجعة»، من زاوية تكشف استمرارية الحزب العريق في الحكم وبحثه عن زيادة حصته في المشاركة، وهذا ما وضح من خلال رئيسه الميرغني الذي قال ان الاتحادي يشارك بتمثيل رمزي في مؤسسات الدولة، ولا يتفق مع وزنه الجماهيري ولا تاريخه الوطني لكنه لا يعطي هذا الأمر اهتماما حاليا، لأن الأولوية للأجندة الوطنية ومنع تمزيق البلاد».
والمعادلة السياسية التي يريد بها الرئيس البشير انهاء مشاكل السودان لا تقتصر على تغيير وزاري كما يعتقد البعض، فبحسب مراقبين فان منهج الدولة وطريقة تعاطيها مع مختلف القضايا الداخلية والخارجية ربما شهد ايضا تغييرا، ويستدل اصحاب هذا الرأي باستقبال الحكومة لوزير الخارجية المصري، وتعاونها مع النظام الجديد بمصر الذي قام على انقاض حكم الاسلاميين، الذين انتفض نظرائهم بحكومة الانقاذ وحزبها مؤكدين رفضهم التعامل مع الحكومة المؤقتة بمصر، الا ان حكومة البشير جاءت رؤيتها مخالفة لما يطالب به الاسلاميون في الحركة وجناحها السياسي المؤتمر الوطني، وكذلك تراجع حدة التوتر مع دولة الجنوب والاقتراب من التطبيع الكامل معها.
واذا كانت رؤية البشير حسبما رشح من انباء تتجه ناحية توسيع ماعون المشاركة واحداث تغيير جذري في سياسة الدولة، فهذا يعني ان القادمين الجدد من القوى المعارضة والمسلحة سيجلسون على مناصب الحرس القديم من الاسلاميين والاحزاب الثلاثة عشر المشاركة او ما تعارف عليها «باحزاب الفكة»، فهل يمكن ان يتحقق هذا الامر الذي يعتقد الكثيرون انه المخرج الوحيد لازمات البلاد المتلاحقة، وما هي ضمانات نجاح مبادرة الرئيس التي ينتظرها الشارع بترقب وأمل في ان تسهم في تغيير واقع البلاد نحو الافضل، وما هي ضمانات نجاح المبادرة التي يرى مراقبون انها الفرصة الوحيدة لانقاذ البلاد، وهل ستواجه بمقاومة من الحرس القديم او من يطلق عليهم لقب «الدولة العميقة»؟
يجيب المحلل السياسي البروفسير حسن الساعوري على بعض الاسئلة عاليه، ويرى في حديث ل«الصحافة» ان مبادرة رئيس الجمهورية لابد ان تستجيب للمعارضة المسلحة والسياسية، وللرأي العام، والمطالبين بالاصلاح داخل الحزب الحاكم، وايلاء وضع دستور متفق عليه من الجميع، ويضيف: هل ستقصي المبادرة قادة الانقاذ والمؤتمر الوطني عن المشاركة ام تسعى لاحداث توافق مع معارضيهم، واعتقد انه من المستبعد ان توافق المعارضة على ان يستمر قادة الانقاذ في الاستيلاء على مفاصل الحكم اذا ما اقتنعوا بمبادرة الرئيس، والطرفان لم يحققا خلال الفترة الماضية ما يهدفان اليه، فالمعارضة لم تتمكن من ازاحة الانقاذ، والانقاذ بدورها لم تستطع ان تعمل، وهذا يعني وجود ازمة، تحتم وجود طريق ثالث لانقاذ البلاد ويتمثل ذلك في مبادرة الرئيس.
وحول موافقة الحرس القديم على مبادرة الرئيس التي ربما تفضي الى ابعاده عن المسرح السياسي، يشكك المحلل السياسي الدكتور صلاح الدين الدومة في موافقتهم على ترك السلطة، متوقعا ان يعملوا على مقاومة تنفيذ مبادرة الرئيس، ويعتقد المحلل السياسي في حديث لـ«الصحافة» ان تنزيل المبادرة على ارض الواقع تتوقف على رئيس الجمهورية ومدى ارادته في اصلاح حقيقي يضع حدا لمشاكل السودان.
الا ان الساعوري يعود مؤكدا ان مفتاح نجاح مبادرة الرئيس يرتكز على قبول الحركات المسلحة المشاركة في حكومة انتقالية يقودها البشير، وقال ان هذا يتوقف على تجاوزها لمرارات الماضي ومساعيها لاسقاط النظام بالقوة، ويتوقع الساعوري ان تكون هناك معارضة قوية من قبل الحرس القديم، واشار الى ان ما يتردد حول تأخير اعلان المبادرة يعود الى هذا السبب، الا ان الساعوري يرى ان ذهاب الحرس القديم وتنازله عن الحكم الذي ظل مسيطرا عليه يتوقف على اجراء مصالحة شاملة وحقيقية.
بالمقابل يتوقع البروفسير صلاح الدين الدومة ان يعمل الحرس القديم على اجهاض المبادرة بشتى السبل خوفا على السلطة، وقال ان هناك من له مصالح في استمرار النظام بوضعه الراهن، مرجحا ان يحاولوا الالتفاف حول المبادرة لاجهاضها، مجددا تأكيده على ان نجاحها يتوقف على قوة ارادة الرئيس في انفاذها.
صحيفة الصحافة
صديق رمضان[/SIZE][/JUSTIFY]
ع.ش
