ولعل القراءة الأولية لهذا التصريح الشديد الأهمية تشي بأن الشرطة السودانية تبدو واثقة من نفسها حيال ما جرى من أحداث وأنها فوجئت كغيرها بعدد الضحايا والقتلى وهو أمر غير معهود في الشارع السياسي السوداني وفى تاريخ التظاهرات في هذا البلد.
ومن المؤكد أن تأكيدات الداخلية السودانية هذه مردها إلى عدة عوامل نحاول استقصائها هنا في عجالة. أولاً، المراجعة الأولية لمسرح الأحداث أشارت وبإيجاز إلى أن الضحايا الذين سقطوا، سقطوا برصاص من عيار غير مستخدم لدى القوات النظامية فى السودان، وهذه من البديهيات – في علم مسرح الجريمة- والتي كان بإمكان أي محقق حسمها في ثواني، إذ يبدو أن (الطرف الثالث) الذى حاول إشعال الأمر بإسقاط قتلى وضحايا فات عليه أن يستوثق من عيار الطلقات التى تستخدمها القوات النظامية السودانية.
ليس ذلك فحسب ولكن من المتعارف عليه دولياً أن القوات النظامية فى أي بلد (الشرطة والأمن) تتم مراجعة أسلحتها وذخائرها والكمية الممنوحة لهم بعياراتها بصفة دورية بما يستحيل معه أن تطلق طلقات من سلاح نظامي دون أن يعرف ذلك.
الأمر الثاني، أن المسافات التى أطلقت منها الأعيرة النارية وهذه أيضاً يستطيع الطب الشرعي تحديدها بسهولة هي مسافات قصيرة للغاية من المستحيل تماماً أن نتصور دخول القوات النظامية وتشابكها وسط المتظاهرين وإطلاقها للرصاص من مسافة قريبة كهذه، فالشرطي أو رجل الأمن لا يغامر بالدخول وسط المتظاهرين بهذه الكيفية وإذا أطلق رصاصه من هذه المسافة فهذا يعني عملياً أنه هو نفسه سيصبح ضحية بتكالب المتظاهرين عليه.
الأمر الثالث أن هنالك ضحايا سقطوا دون أن يكون هنالك سبباً للإيذاء أو الإصابة، فقد عرض التلفزيون السوداني مطلع الأسبوع الماضي صوراً لطالب جامعي أصيب بحروق خطيرة على يد أناس مجهولين وفى القصة التى رواها لكاميرا التلفزيون أنه تلقى ضرباً مبرحاً بعصي من قبل غاضبين من المتظاهرين وتلوها بإشعال النيران فيه بسكب البنزين السريع الاشتعال وعود ثقاب كاد أن يودي بحياته فى الحال.
هذه القصة يمكن أن نستخلص منها أن هناك بالفعل جناة مختفين هدفهم الاصطياد فى الأحداث وتحقيق أجنداتهم. وعلى كل فإن لجنة التحقيق المكلفة بالتحقيق فى الأحداث كفيلة بإماطة اللثام عن حقيقة ما جرى وسبر غور الحدث في القريب العاجل حتى يدرك الجميع أن حق التظاهر السلمي وإن كان مكفولاً بالدستور، إلا أنه محفوف بالمخاطر التى تأتي من جهة ثالثة هدفها الوقيعة بين الحكومة والمواطنين.
سودان سفاري
[/SIZE][/JUSTIFY]
