الرسالة حاولت أن تعطي تفسيراً (على طريقة عرمان السفسطائية) لما هو عليه و (شعوره بالأسى العميق) كما قال بنص تعبيره على غيابه الطويل عن أمسيات والديه وشروق الضوء النهاري!
ولعل أبرز ما تلاحظ على سطور الرسالة أنه حاول تأكيد وعيه بما يفعله بأنه (إذا رجعت عقارب الساعة الى الوراء فليس فى وسعي إلا أن أختار ما إخترت) وكأني بعرمان يصادر على المطلوب، حين يردد ذات الفشل على مسامع والديه فى عناد يبدو أن التجربة الطويلة لم ترفده بشيء يذكر.
ولعل الرسالة حمالة الأوجه والمتداخلة بين السياسي والاجتماعي تصلح لقراءة واقع الشاب الخمسيني الحالي والسابق وسبب شعوره بالأسى بعد كل هذه السنوات والحراك الطويل العاثر.
فمن جانب أول فإن عرمان فيما بدا يحاول (طمأنة) أسرته على صحة موقفه حالياً ولكن خانته حقائق الواقع وخانته تأكيداته هذه حين لجأ الى التأكيد دون أن يطلب منه ذلك أنه لو عاد مرة أخرى الى الوراء لفعل ما فعل! ففي هذه سكب عرمان (دموعاً دامية) غلفها بالمكابرة المفضوحة، فهل كان عرمان ليختار الهروب الى الخارج جراء استحقاق جنائي تورط فيه فى الجامعة، وأن السبيل الوحيد لديه فى ذلك هو أن يلتحق بحركة (خاصة بإقليم معين) ويقاتل فى صفوفها ويظل مقاتلاً حتى بعد أن (لفظت) الحركة المنفيستو الشيوعي وعرمان شيوعي محب؟
هل كان عرمان يجرؤ على (خلع لباس الشيوعية) مرغماً ويدلف يميناً مع قيادة الحركة الشعبية حيث المعسكر الرأسمالي وأين هي المبدئية هنا؟ كيف لشاب متوثب أن يقول أنه لو عاد الزمان سيعود (لركوب الموجة) وتبديل القناعات وفعل أي شيء والتحالف مع الشطيان؟
ومن جانب ثاني فإن عرمان نسي أيضاً أنه ومنذ غياب زعيمه قرنق فى أرجاء الاماتونج فى حادث تحطم طائرته قبالة الحدود اليوغندية أصبح (يتيماً) على مائدة غلاة قادة الحركة الشعبية يطعمونه الفتات ويرسلونه فى مهام (قذرة) ويمنعوه الترشح للرئاسة رغم كل ما أعد له واستعد، ثم يفاجأ بانفصال الجنوب وفقدانه لحركته الشعبية الى الأبد؟
ومن جانب ثالث فإن الرجل بعد كل ذلك لم تعد له (مكانة سياسية) لا داخل قطاع الشمال ولا داخل دولة الجنوب وبالطبع حتى هنا فى الخرطوم، فقد أصبح مشهود الجرم، كبير الخطأ، لا مجال لاستيعابه مجتمعياً دعك منه الاستيعاب السياسي!
من المفروغ منه هنا أن عرمان واتاه (حنين دافق) ليس فقط لأبويه الذين لا يمكن أن يكونا على إتفاق معه في حراكه اللاهث غير المجدي وقد فشل عرمان فى التفريق بين (شعوره الشديد بالأسى والإحباط) وبين محاولته تغطية ذات الشعور بغطاء سياسي شفاف بدا منذ الوهلة الأولى أنه خطاب يمكن أن يصبح متاحاً للجميع والرجل (في عيده الحادي والخمسين) يبحث عن (الستر) والأمل ولكن لم يجدهما ولا نعتقد أنه بحاله الراهن قد يجدهما!
سودان سفاري
ع.ش[/SIZE][/JUSTIFY]
