رجل في أعماق الذاكرة

رجل في أعماق الذاكرة
مر عام منذ أن فجع الجميع يومها لرحيله، رغم أنه غاب عن ناظرينا رويدا رويدا، فقد غادرنا إلى أرض الكنانة في زيارة عادية، ثم شاء القدر أن يصاب بنوبة من الضيق في التنفس، دخل بعدها في حالة من فقدان الوعي ليومين إثنين بعدها إنتقل الى الرفيق الأعلى، وكأن إرادة الله أرادت أن تدرجنا في مدارج الموت رويدا رويدا من مرحلة إلى أخرى.

ويحكي لي إبنه (محمود) أن والده في ليلة وفاته طلب منه أن يصطحبه في مشوار اليومي لممارسة رياضة المشي، وبينما هم في مشوارهم هذا حكى له المرحوم ما لم يقله طيلة حياته، حكى له تاريخ حياته وأصدقائه وأوصاه كثيرا.

ثم إتجهوا سويا الى فكهاني في زاوية الشارع، فإبتاعوا بعض فاكهة لأهل البيت، وجسلوا جلسة عائلة مرحة إجتروا فيها ذكريات جميلة، مع كم هائل من القفشات التي هي جزء من سجية الرجل الجميل، الذي كانت روحه سمحة ومرحة، وأكاد أجزم أنني لم أشهد روحا بهذه الحلاوة والطلاوة إلا عنده، بل أكاد أجزم أن القاضي ورجل القانون قد جمع النقيضين وهما المرح والجد.

وقد حكى لي إبنه محمود كيف أن والده إنتزعه من بين أصدقاء مصرين كان يتسامر معهم، على خلاف ما كان يحدث منه إذ أنه لم يكن ليفعل أمر كهذا من فرط إحترامه لخصوصية أبنائه، لكن بعد وفاته أدرك إبنه محمود أن تلك الصحبة كانت من أهم ملامح الوداع والإستوداع، فقد أودعه والده كل ذكرياته، ومازال محمود مبهورا بهذا الإستوداع والوداع العجيب.

أما إبنه الأكبر الدكتور محمد الذي لم يصطحب الأسرة الى مصر لظروف تتعلق به، فقد ظل كأعمامه متعلقا بأهداب الصبر الجميل، ليصبح الأشم (عماد) والوديع (عوض) والضرغام المقدم بالشرطه (تاج الدين) يشكلون لوحة من الصبر والجلد الرجولي النبيل رغم إدراكهم بأنهم فقدوا شخصين في شخصية واحدة.

أما شقيقه (جمال) ذاك الذي ضرب في مناكب الإغتراب بسهمه، والذي ذكر لي أصحابه أنه، من فرط حزنه ظل في غرفته عدة أيام لا يبارحها، حتى طوقه السودانيون، بمحبتهم ليخرجونه عنوة من دوائر الحزن الى أنفاس الحياة.

لكن لصديقنا الجميل (إدمون زكريا) الشهير بـــ(موني) لون آخر من الحزن النبيل فقد كان حينها في المانيا، في زيارة عادية حتى إتصل به شخص من المنطقة العربية ليبلغه بنبأ وفاة حبيبنا ( عزالدين الصبابي) فما كان منه إلا أن غاب عن الوعي لأيام لنسمع صوته باحا في الهاتف وقد أضناه الحزن.

وهكذا كان أهله وأصحابة ولكن لأبنه (أمجد) لون من الود البهي مع والده فقد كان صديق أبيه الذي يأنس بمجالستة وهو أصغر الأبناء سنا، وكلما هم أن يحكي لي شيئا عن والده أجهش بالبكاء، وكذلك شقـيقه أحمد الذي ظل دوما بنقاء السيرة والسريرة.

لتجيء بقية العقد الجميل (مروة – وأمنية والصغيرة منن) فكلهم يفتقدون أباهم، ذلك الرجل الذي ظلوا يتباهون به دوما، كما كنا نحن كذلك نباهي به أنفسنا والناس جميعا.

لكن سمة ذكرى جميلة تجمع بيني وبين الرائع الخلوق (تاج الدين) أنه حينما كان صغيرا في المرحلة الإبتدائية كنت حين ألتقيه أناديه بــ(تاج الدين أخو عزالدين وجمال الدين)، ولعله مرات كثيرة يذكرني بهذا الأثر في ذاكرته التي أصبحت معقمة بالإلتزام الديني وحسن الخلق والنقاء.

ورغم إدراكي بأن الحزن سيكون عميما ومخيما على قلب زوجته وأمه، لكنني في ذات الأوان أستدرك الصبر الجميل الذي تحلوا به، فقد كانت زوجته برفقته بمصر وعاشت معه فجيعة الموت، وجاءت آيبة الى الديار وهي تسمع أصوات البكاء تشق عنان السماء، لكنني أجزم بأن حزنها كان أبلغ من كل ما سمعت، وتشاطرها (حنان) الشقيقة الوحيدة للمرحوم، تلك التي كان يحمل لها مودة من نوع خاص، ليخلف بعده ألما وحزنا من نوع خاص أيضا، أما زوجها (عبد الرحمن) ومن الطبيعي أن يكون ألمه من ألمها.

أما أمه الحاجة (آمنه) فقد كانت سكينتها من طيف جاءها يقول لها : (هل أنت أمه) ؟، إذا فأحمدي الله على ما أعطى وما أخذ)، ومنذ تلك اللحظة أتاها اليقين والصبر والجلد.

لكنها ذات يوم من الأيام وبعد شهر من الوفاة طلبت والدته مني أن أحضر لها صورة للمرحوم وهي تدري أن بيننا مودة موثقة منذ أن كنا لاعبين في الموردة وما بعدها، فجئتها بصورة مكبرة كان الرجل فيها بكامل البهاء، وقد أخذت له الصورة يوم أن كنا نكرم أستاذنا الجليل (مصطفى لياقة) وأجزم أن الصورة قد هيجت كوامنها، ونزعت منها بعض دموع جعلت أبناءها الذين كانوا يتحلقون حولها يلوذون الى الحزن والأسى، مقدرين ما يجيش في صدرها من حزن مكنون بين الضلوع.

حينها إنتابني شعور وأحساس أحسست من خلاله بأنني ما كان أن أُلبي لها هذا الطلب، لكن إحساسا أقوى منعني أن لا ألبي لها هذه الرغبة، وهاهي الصورة تقبع بجانب صورة والده (الحاج محمد خير) في واجه المنزل وبهوه، حتى أصبح أمامها يحسسها بشيء من الأمان مما حدا بإبنه (أمجد) لأن يطلب مني ذات الصورة، وأن أمهر عليها كلمات متميزة تليق بوالده، وقد لبيت له هذه الرغبة لإدراكي بأنه فقد أبا وصديقا وأنيسا.

لكنني هنا أود أن أحيي تلفزيون النيل الأزرق الذي أفرد سهرة توثيقية خاصة للمرحوم إستضاف فيها بعض أفراد أسرته، وطاف على الأماكن التي ترعرع على مدارجها الفقيد، في وفاء طيب للرجل الذي ظل لصيقا بالقناة وبرامجها التي كان يشكل حضورا طيبا فيها.

كذلك التحية والتقدير لإتحاد المحامين الذين خصصوا للفقيد صالة رياضية تحمل إسمه، والتحية لمجلس إدارة الموردة المعين بقيادة مولانا (الريح ديباوي) وهويعتذر جهرة وعلى الملأ وهو يعلن أن ظلما ورشاشا قد أصاب الرجل وأنه يعتذر للتاريخ ولأسرة الرجل، ومهما تكن ردود أفعال أهله وأحباءه من هذا الإعتذار، لكنه يعتبرحالة شجاعة تحسب للرجل الذي إستطاع أن يخرج من كبسولة الإنكفاء التي يلبسها البعض ليقول كلمة حق للتاريخ.
اللهم اغفر لعز الدين وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله ووسع مدخله، اللهم جازه بالحسنات إحسانا وبالسيئات عفوا وغفرانا، اللهم أغفر لعبدك (الصبابي) وزد في حسناته وافتح أبواب السماء لروحه برحمتك ياأرحم الراحمين، اللهم هذا عبدك خرج من روح الدنيا وسعتها، وقد كان يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد عبدك ورسولك وأنت أعلم به منا، اللهم يمن كتابه، وهون حسابه، وطيب ثراه وأكرم مثواه واجعل الجنة مستقره ومأواه.
…………
صلاح محمد عبد الدائم (شكوكو)
[email]shococo@hotmail.com[/email]

Exit mobile version