ويبدو أن الرغبة في التحدي والإحساس بمخالفة الآخرين هو ما يجعل أعضاء الحزب يواصلون التحدي، مع أن الجميع يتفق أن التسمية أضاعت على الحزب آلاف الأنصار، ويقول أنصار التسمية إنها من أسباب الجاذبية للحزب.
كان بالإمكان الاحتفاظ بنفس المبادئ والأفكار لو سميناه (الحزب الاشتراكي) أو (حزب العمل)، بل كان ذلك سيجلب له آلاف المؤيدين.. ولي شخصياً تجربة مع التسمية، ففي المرحلة الثانوية عندما بدأ الطلاب الشيوعيون يدعوننا للانضمام إلى الحزب الشيوعي، نفرنا منهم، لكن عندما عادوا إلينا يدعوننا للانضمام إلى الجبهة الديمقراطية تحمسنا لهم وأعطيناهم أصواتنا في الانتخابات ومكناهم من الفوز.
هذه الإشكالية في التسمية واجهت هذا الحزب في كل البلاد، وعالجوها بتغيير الاسم إلا الحزب الشيوعي السوداني الذي ظل عنيداً لا يتراجع مهما كلفت الظروف ومهما ارتفعت الأصوات مطالبة بتغيير الاسم.
لماذا الشيوعيون في السودان وحدهم الذين يصرون على التسمية، بينما رفاقهم في الدول الأخرى تنازلوا عنها فكسبوا بذلك أنصاراً إضافيين؟ هذا السؤال ما زال يحير الكثيرين، خاصة الذين شاهدوا الأثر الإيجابي لتغيير الاسم على شعبيته.
لقد قابلت كثيراً من الشيوعيين المواظبين على صلواتهم وإيمانهم عميق، وأذكر أن أحد الحلفاويين كان أنموذجاً للمسلم الحريص على أداء واجباته الدينية دون تأخير، وكان يضرب به المثل في عمق الإيمان، رغم أن الجميع يعرف أنه شيوعي.. والحزب الشيوعي المصري الذي أسس الحزب الشيوعي السوداني في الأربعينيات غير اسمه عندما جاء “عبد الناصر” للسلطة وأنشأ (الاتحاد الاشتراكي) لأنه رأى في الحزب الجديد تحقيقاً لطموحاته.
كان الشيوعيون يعيشون بيننا في الأحياء، وكنا لا نرى في سلوكهم شيئاً شاذاً أو عادة غريبة على المجتمع السوداني، وكان هذا مما يزيد من حيرتنا. وكان معظم الشيوعيين يعيش حياة مزدوجة داخل بيته وخارجه، فهو يأمر أخواته بالتأدب بأخلاقيات الإسلام ويزجرهن إذا أخرن الصلاة، وكان كثير من الشيوعيين يصومون رمضان كله ويحرصون على صلاة التراويح حتى لم يعد ذلك موضوع دهشتنا لكثرة ما اعتدناه.
الأستاذ “أحمد سليمان” المحامي، القيادي في الجبهة الإسلامية، كان من قيادات الحزب الشيوعي السوداني، وكذلك “يس عمر الإمام”.. لم يُحدث انتقالهما أية دهشة، لأنهما كانا يعيشان حياة إسلامية أصلاً قبل الانضمام للإسلاميين. ولا أعرف نوعية النقاش الذي يتم عند طرح موضوع تغيير الاسم، وليت الشيوعيين يبلغوننا به، لأنهم كانوا يقنعون المطالبين بتغيير الاسم بالتخلي عن الفكرة.
الأحزاب الشيوعية في أوروبا اضطرت لتغيير التسمية لتكسب أنصاراً جدداً، ولم يكن ذلك استناداً إلى عمق الإيمان، بل إنهم كانوا يرون أن المبادئ نفسها بحاجة إلى تغيير لتستوعبهم.
على أية حال أود أن أدلي برأيي في المسألة، وأقول إن كثيرين يؤمنون بالمبادئ التي تنادي بإنصاف الطبقة العاملة ومحاربة تكدس الأموال لدى الأغنياء ليزداد الأغنياء غنى والفقراء فقراً.. وهذه هي نفس المبادئ التي يدعو لها الإسلام، بل إن أنصار الرسول “صلى الله عليه وسلم” كانوا دائماً من الفقراء الضعفاء.
أولى نتائج تغيير الاسم ستكون زوال الحواجز النفسية، لأن التسمية ارتبطت في الأذهان بالإلحاد، فإذا ما أطلق الحزب على نفسه مسمى (الحزب الاشتراكي الديمقراطي) أو (حزب الطبقة العاملة) أو (حزب العمال) أو (حزب الكادحين) أو أية تسمية في هذا المعنى، فإنه سيكسب الكثير من الأنصار ولن يجد الناس أنفسهم في حرج، ولن يشعر الناس بأنهم يتعاملون مع كيان يدعو للإلحاد.
[B]} سؤال غير خبيث[/B] كم هو عدد الأصوات التي خسرها الشيوعيون بسبب إصرارهم على مسمى (الشيوعي)؟!صحيفة المجهر السياسي
ت.إ [/JUSTIFY][/SIZE]
