ترجوهم فيها أن يلعنوا (أبيلس) وان يضعوا السلاح أرضاً وأن يوقفوا الحرب التي اندلعت في صفوفهم، والمواجهات التي تتم بالسلاح فيما بين فصائلهم المختلفة ووحدات الجيش الشعبي المختلفة .. وكانت تبدو عاطفية جداً وحزينة ولتقاطيع وهي تقول لهم: (أنا سوزان رايس، صديقتكم..) لأنها تدرك جيداً أن نذر الدمار قادمة إذا لم يتداركوا حربهم المجنونة، وأن التبعات صعبة، وأن النتائج مدمرة لا تعود بدولة الجنوب إلى زمن (الغابة) وإنما تجرفه في أتون الحرب الأهلية التي يعني اندلاعها لجوء كل جنوبي إلى أصوله الإثنية ومن ثم تصبح المعركة (قبلية) وتنتهي صلة الماضي التي جمعتهم في جيش التحرير.. وسوزان تخشي على الدولة الوليدة التي أودعتها أحلامها وخططت بعناية لمستقبلها وصنعت لها صورة وردية في ذهنها ومن ثم في (الملفات) الأمنية الأمريكية.
وما لا تعلمه سوزان رايس، رغم انحيازها لبعض قيادات دولة الجنوب، ورغم ارتباطها الحميم بها، أن مخاطبتها العاطفية الفضائية تلك لا يفهمها كل أهل الجنوب وقبائلها واثنياته من شلك ونوير ودينكا واستوائيين وإنما قلة منهم وبالتحديد الذين يفهمون الانجليزية لأن السواد الأعظم من أهل الجنوب يتكلمون لغاتهم المحلية وان الرابطة الجامعة بينهم اللغة العربية ممثلة في (عربي جوبا) فذاك هو (اللسان) الذي عبره يفهمون، ولذلك فان على السيدة المستشارة سوزان أن تعيد حساباتها وأن تعيد بث رسالتها البليغة والهامة بعربي جوبا .. حتى ولو اضطرت لدخول معهد تعليم لغة عربية سريع وبالعدم كتابة ما تريد أن تقوله باللغة (اللاتينية) المعربة الجوباوية)..
وما لم تفهمه المستشارة سوزان رايس أيضاً أن (جيش تحرير السودان) السابق تم تجميعه وترويضه مثل لحم الرأس، وكان يفترض بعد الانفصال عن السودان الشمالي أن يتم تسريحه أو حله وفتح باب التجنيد لجيش وطني (قومي) على أسس مهنية بحتة، وغير سياسية أو مسيسة .. لكن تركه برتبه المختلفة وبنفس قياداته وأفراده حمل بذرة فنائه عند أول (خلاف) بين اثنين من قياداته .. بل وان روح الغابة ولغة الجيش الثورية مازالت هي السائدة .. وأخطر ما في الأمر أن جيشاً ظل رافعاً للسلاح لأكثر من عشرين عاماً، كيف تريدونه أن يصل مرحلة أرضاً سلاح في عام واحد أو عامين؟
لقد سألتني إذاعة أجنبية تبث من بيروت يوم اجتماع وفدي سلفاكير ورياك مشار في العاصمة الاثيوبية ان كنت متفائلاً بأن يتوصل الطرفان إلى اتفاق .. وكان ردي قاطعاً بأنه في ظل أزيز المدافع وأصوات الطلقات، ودون وقف لإطلاق النار لا يمكن التوصل إلى اتفاق كما ان التفاوض (بالوكالة) عن القائدين سلفا ومشار في شخصي نيال دينق وتعبان دينق، يضعف فرص التوصل لاتفاق، لأن الأوفق أن يجتمع الرأسان وجهاً لوجه (تيتا تيتا) وبرعاية منظمة (الإيقاد) نفسها..
والله يكذب الشينة!
صحيفة الخرطوم
د. إبراهيم دقش[/SIZE][/JUSTIFY]
