صحيح هنا أن هنالك منطقتين مهمتين للغاية هما جنوب كردفان والنيل الأزرق لديها قضايا مؤثرة ومهمة وتحتاج بالفعل الى مراجعة وطنية ومشروع إصلاح حقيقي لنهضة هاتين المنطقتين وإعادة إدماج إنسانها فى الوعاء الوطني الشامل عبر معالجة مشاكله وإخراجه من وهدته.
وصحيح أيضاً أن هناك قوى قاتلت من قبل فى صفوف الحركة الشعبية -بصرف النظر عن هدفها من ذلك القتال- وفقدت صلتها الآن بالحركة الشعبية الجنوبية نسبة لانفصال جنوب السودان، وأنّ حسن إدارة الشأن السوداني يقتضي النظر فى أحوال هذه المجموعات التى لم تسعفها الظروف لتحقق ما كانت تريده من أهداف. فالأمر هنا مع كونه ليس ضمن مسئولية السودان كدولة كون إنّ هذه المجموعات فقدت مجموعتها التى ذهبت بتكوين دولة مستقلة؛ إلا أن ضرورات التراضي الوطني اقتضت ملامسة قضايا هؤلاء تبعاً للمستجدات التى استجدت.
هذا كله صحيح بدرجات متفاوتة إذا كنا ننظر للأمور فى سياقها العام وما يتطلبه البناء الوطني العام من إشاعة قدر من الرضا العام وحلحلة قضايا المناطق المختلفة قدر الإمكان ليتساوى الجميع فى كفة الميزان الوطني.
ولكن بالمقابل فإن من غير المنطقي أن؛ أولاً، تصبح هذه القضية مدخلاً لمساومات سياسية يتداخل فيها الدولي بالمحلي والإقليمي، فسكان هذه المناطق لم يفوضوا أحداً على الإطلاق لكي يتحدثوا بأسمائهم ويقرروا مصيرهم ولا ندري كيف لمن يدعون الديمقراطية والحريات مثل الولايات المتحدة أن تقرر قيام تفاوض ما بين مجموعة مسلحة لا تمثل المنطقتين ديمقراطياً ولا تنتمي إليها عملياً، وتنص على ذلك فى قرار دولي؟
إن خطورة هذا المسلك هو خلخلة البنيان السياسي الوطني خلخلة خطيرة جداً لا يقف أثرها عن الراهن الماثل وإنما يمتد لأجيال ولعلنا هنا نستغرب ونتساءل لماذا لم تسمح واشنطن لدى إشرافها على مفاوضات نيفاشا بأن يمثل قادة الحركة الشعبية الجنوبية سكان دارفور، أو مناطق شرق السودان؛ بل لماذا لم يتم التفاوض حول المنطقتين ومآلاتها فى حال اختار الجنوب الانفصال عقب الاستفتاء؟
الأمر الثاني أن من غير المنصف والخطير فى آن واحد فتح الباب واسعاً لجعل المنطقتين مسرحاً دولياً وإقليمياً لمنظمات دولية وقوات دولية فى حين أن بالإمكان -بسهولة بالغة- حل مشكلة المنطقتين عبر تمثيل حقيقي لأهلها فى دقائق معدودات إذ أن السؤال هنا، ما هي قضية قطاع الشمال هذه التى تنعقد وتنفض من أجلها جولات التفاوض وتمتلئ ردهات الفندق الإثيوبي الشهير بمسئولي ودبلوماسيي الدول الكبرى؟
ما هي القيمة السياسية والعسكرية الواقعية والحقيقية لقطاع الشمال حتى تقوم له الدنيا وتقعد فى الوقت الذي لا يعدو فيه كونه (بقايا فصيل مسلح) فقط من الحركة الشعبية الجنوبية.
الأمر الثالث إن من المستغرب غاية الاستغراب أن يكون ياسر عرمان المنحدر من أقصى شمال السودان (أميناً عاماً) لأهل كردفان والنيل الأزرق و (مسئولاً) عن مستقبلهم؟ هذه دون شك أضحوكة سياسية تزيد هي الآن من تعقيد الأزمة لأن كل ما يتم التوصل إليه حتى ولو كان على حساب كل السودان ربما لن يحوز على رضا أهل المنطقتين، فهل يعتبر هذا حلاً؟
أخيراً فإن على الحكومة السودانية -وهي تتحمل هذه المسئولية التاريخية- أن تسارع بنفض يديها من هذه المفاوضات لأنها غير عادلة وهي مجرد (لعبة دولية) للإنتقاص من السيادة السودانية وسيتضح ذلك لاحقاً بصورة أعمق وأوضح.
سودان سفاري
ع.ش[/SIZE][/JUSTIFY]
