البعد الثالث لأزمة إقليم دارفور !

[SIZE=5]لا تبدو الأزمة الماثلة فى إقليم دارفور والتي تثير الآن ضجيجاً واسع النطاق محض أزمة سياسية ذات أبعاد أمنية وإنسانية. صحيح أن هذا هو المناخ العام السائد والظاهر الآن للعيان حيث أجبر الصراع أعداد مقدرة من المدنيين للنزوح سواء الى معسكرات خاصة بالنازحين أو لمناطق مجاورة قريبة، وانتشر السلاح وأخذت معاناة الناس أبعاد فوق الطاقة. ولكن الأزمة الحقيقية لهذا الإقليم الشديد الثراء بموارده وأرضه وإنسانه هو ظاهرة الحركات الدارفورية المسلحة التى أصبحت هي فى حد ذاتها المظهر الرئيسي الشائه لإقليم سوداني لم يألف العمل المسلح إلا في حدود النزاعات القبلية المحدودة والتي كانت غالباً ما تنتهي بسرعة بإعمال مبادئ الأعراف والتقاليد وبالحكمة الفطرية الثاقبة لقادة الإدارة الأهلية.

الحركات الدارفورية المسلحة التى فاق عددها الـ(22) حركة مسلحة كبرت أم صغرت خلقت أزمة من نوع فردي فى دارفور تمثلت في: أولاً، أفسدت كافة أنواع التعايش الطبيعي السلمي بين القبائل المختلفة فى الإقليم كنتيجة طبيعة للتصنيفات التى اتبعتها فى تكوينها إذ المدهش أن الفور مثلاً يقود المتمرد عبد الواحد محمد نور حركتهم الرئيسية وفق منهجه ومفهومه هو وخلفيّته الفكرية، فى حين أن الزغاوة جزء آخر منهم جبريل إبراهيم فى حركة العدل والمساواة بينما يقود مناوي جزء آخر منهم!
الخطورة هنا أنه وحتى على فرض التمكن من إحراز اتفاق سلام، فإن النسيج الاجتماعي لهذه الحركات دعك من بقية المكونات غير المنضوية تحت لوائها. وهذه فى الواقع اخطر عملية تقسيم سياسي وعرقي تسببت فيه هذه الحركات دون أن تنظر الى المستقبل.

ثانياً، أقامت هذه الحركات -طوال العشرة أعوام الماضية- علاقات لا شك أنها مشبوهة وغير متكافئة مع قوى إقليمية ودولية لها أجندتها الخاصة وثمنها الباهظ، وهي ظاهرة تحدث لأول مرة في إقليم دارفور وفى تاريخه الحديث بحيث يمكن القول أن هذا الإقليم الذى كان الى عهد قريب مضرب المثل فى التوافق الاجتماعي والاستقرار السياسي أصبح الآن (مزاراً دولياً) ومن المحتمل أن يتحول الى (مكب استخباري) فى المستقبل القريب بما يحلق ضرراً بليغاً وغير مسبوق بطبيعة الإقليم وثقافته وأعرافه التى عرفت عنه.

الأمر هنا يتصل باحتمال تغير البنية الاجتماعية الثقافية على المدى البعيد لهذا الإقليم جراء سوء إدارة هذه الحركات المسلحة لمظالمها المزعومة والتي رهنت فيها الإقليم بكامله لنزواتها الخاصة ولمطامع القوى الأجنبية المعادية.
ثالثاً، الحركات الدارفورية المسلحة خلقت هي نفسها حاجزاً عازلاً فيما بينها جراء التنافس غير الشريف فى العمل القتالي وهذا -للأسف الشديد- بذر بذرة شقاق من الصعب معالجتها فيما بعد، إذ أنه وحتى ولو أمكن حل الأزمة فإن من المحتمل أن تعاود بعض هذه الحركات العمل المسلح ضد بعضها، وهذه أسوأ نتيجة تثير الهواجس والقلق العميق الآن.

هذا بالطبع بخلاف الجراح التى سببتها هذه الحركات فى تلطيخ اسم السودان دولياً وما أن تذكر دارفور حتى يتذكر العالم المأساة والموت ومعسكرات النزوح وهو أمر لم يكن مألوفاً فى السودان حتى إبان حربه الأهلية الطويلة فى جنوب السودان.
وعلى ذلك فإن كانت للإقليم أزمة مثيرة حقاً للقلق والمخاوف فإنها على أية حال ليست الأزمة الماثلة الآن، هي الأزمة التى سوف يتشكل استناداً على عناصرها مستقبل هذا الإقليم الذي أفسده عن عمد وسبق إصرار أبناءه وحدهم.

سودان سفاري
ع.ش[/SIZE]

Exit mobile version