الطاهر ساتي

أو كما فعلت ..( مارينا)


[SIZE=5][JUSTIFY][CENTER][B] أو كما فعلت ..( مارينا) [/B][/CENTER]

** مارينا، فنانة صربية ذات حياة ثرة بالتجارب الإنسانية المدهشة.. ومن أشهر تجاربها، مغامرة أرادت بها إختبار سلوك البشر في حال منحهم الحرية المطلقة في إتخاذ أي قرار..قررت مارينا الوقوف – في مكان عام – بجانب طاولة ست ساعات بلا حراك، أي كما التثمال، وكانت قد وضعت على تلك الطاولة بعض السكاكين والأزاهير والعصي والحلوى وأكواب ماء ومسدس وغيره..في ساعتها الأولى، لم تثر وقفتها إنتباهة المارة، ولم يقف أحدهم ليسألها عن ( سر الوقوف).. ولكن بعد ساعة أخرى، أثارت إنتباهتهم ثم توالت ردود أفعالهم تجاه وقفتها الصامتة..وضع أحدهم زهرة بين أصابعها، ولم تشكره مارينا ولم تبتسم..ووضع آخر قطعة حلوى على فمها، فلم تمضغها ولم تشكره..وجاء الثالث وأجتهد في سقيها، ولم تتحرك مارينا ولم تشكره ..!!

** تلك كانت ردود أفعال الناس طوال ساعات الوقوف الأولى، ردود أفعال سلمية وإنسانية راغبة في مساعدتها وخدمتها.. ولكن، لم يستمرهذا الوضع طويلاً..إذ شرعت الجماهير في إظهار ردود أفعال تختلف -عن تلك السلمية والإنسانية – شكلاً مضموناً..أشهر أحدهم المسدس في وجهها وأمرها بمغادرة المكان، فلم تتحرك مارينا، فوضع المسدس على رأسها، ولكن تدخل البعض وأبعدوا المسدس..وحمل الآخر سكيناً ومزق ملابسها حتى تعرت، فلم تتحرك..بعد التعري، تحرشوا بها ونكزوا بعض أجزاء جسدها بأصابعهم، ولم تتحرك، ولكنها ( أدمعت) ..ولم تمنعهم دموعها عن التمادي في التحرش..وعند إكتمال الساعة السادسة، تحركت مارينا من مكانها دون أن تبدي أى رد فعل غاضب على تحرشهم وسلوكهم العدواني.. وما أن تحركت، هرب الجميع هروباً لا إرادياً..!!

** ثم، لخصت مارينا تجربتها المؤلمة في أسطر قليلة..البشر الذين نلتقيهم يومياً ونتعامل معهم دائماً في حياتنا – مهما إختلفت أعراقهم وثقافاتهم وأعمارهم – لهم القدرة والرغبة في إرتكاب الأخطاء والجرائم وإظهار السلوك غير القوم، ولكن فقط في حال أن يجدوا من يتيح لهم ( الفرصة)..هكذا حصاد تجربة مارينا، وقد صدقت ( بيان بالعمل)..على مستوى الفرد، أنت من تحدد للآخر كيف يعاملك؟، وكيف يخاطبك؟، وليس لهذا الآخر غير حق القبول بما حددته أنت أو لايتعامل معك ولا يخاطبك..وفي حياتك الخاصة، هناك من يمازحك لحد إدخال يده في جيبك وأخذ مالك، ولايغضبك تصرفه هذا، إذ أنت من إخترته – من وسط البشر- ليكون معك هكذا، أي أنت من صغت له قانونه..وهناك أيضاً من تلتقيه دائماً وتعمل معه يومياً، ومع ذلك لايستطيع أن يتجاوز حد العمل وأسباب اللقاء، وتكون أنت من صغت له هذا القانون..ولكن، لو منحت تلك (الفرصة) التي منحتها لصديقك للجميع بحيث يمازحونك لحد التصرف معك كما يريدون، فهنا لاتكون إنساناً، بل تكون – كما مارينا- تمثالاً بشرياً يتحرشون بك أو يتبولون فيك ..!!

** ومصر اليوم، كما مارينا في ساعات الوقوف تلك .. نعم، تجربة مارينا ليست بمقاس الفرد فحسب، بل تسع الشعوب والأوطان أيضاً.. وحال مصر اليوم كما حال مارينا في تلك الساعات التي قررت خلالها أن تمنح الفرصة للجميع لترى ردود أفعالهم، فأروها التهديد والسخرية ثم التمزيق والتحرش..ويخطئ من يظن أن ميدان التحرير يحتشد تلقائياً أو أن ميدان رابعة العدوية يمتلئ عفوياً، بل يخطئ عميقاً من يظن أن أخيار مصر – إخواناً كانوا أو معارضة – هم من يصنعون الحدث اليوم ..وإن كان الغافل من ظن الأشياء هي الأشياء، حسب حكمة الفيتوري، فالغافل اليوم هو ظن أن أمر مصر بيد شعبها وأحزابهم..حدق في الجزيرة مليًاً، ثم إعد البصر كرتين إلى العربية، ولاتغفل الحرة، إنها أضلاع مثلث برمودا التي تشكل الحياة العامة بمصر منذ ثورتها، وتلك ليست محض وسائل إعلام.. (إنها الفرصة)، كما أسمتها مارينا، وإذا منحهها الفرد أو الوطن للآخر، فلا يحصد غير التعري والتحرش وكل أنواع السلوك العدواني ..متى تتحرك مصر عبر نخبها الواعية، بحيث تنقذ نفسها، ثم تلخص تجربتها، أو كما فعلت ..( مارينا) ..؟؟
[/JUSTIFY][/SIZE]

إليكم – السوداني
[email]tahersati@hotmail.com[/email]

تعليقات فيسبوك


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *