تحقيقات وتقارير

من الذي قتل عصام ؟! … الحلقة الأولى

[JUSTIFY][RIGHT][SIZE=5]قد تبدو سعيداً (أنت تحديداً أيها القارئ)، ومن بين جنباتك تَسيل آيات الثراء، وسبّابتك المُكتنزة تشير لرفاقك بأنك تسكُن هناك، في الطابق الثالث من تلك (الفيلا) الجميلة!
تُرى كيف كان (عصام)، وتُراب الطابق الثالث من (قبره الأبديّ) يسدّ مِنخريْه للأبد؟!
هذه واحدة من (غُصص) كثيرة، أبطالها بؤساء، من ضحايا (تجّار البشر)، الّذين يتربّصون بالحَالمين من فُقراء السودان و(القرن الأفريقي)، في جنّة عرضها ساحل البحر الأحمر وصحراء سيناء، وصولاً لمخدع العروس الخادعة (سالومي) في تل أبيب!
في ساحة الموت على (نطع) صحراء سيناء المصرية، تُزاحم القبور القبور، (بلا شاهد أو علامة، بلا خطة أو نظام). ولأنه ليس هناك مُتّسعٌ لقبورٍ جديدة، لم يجد سدنة الموتى غير مواراتهم الثرى طبقاً على طبق! وكان نصيب بطل (غُصتنا) اليوم، الطابق الثالث من القبر، ومن تحته جثتنان. حتى حار بـ (الدود) الدليل!
يالله..
إلى مخدع من تراب بأرض يباب، حمل المُشيّعون (عصام عبد الله محمد آدم)، إلى مقابر (الصدقة) بمدينة العريش المصرية.
أحكموا على كفن (عصام)، وِثاقاً من (بلاستيك)، دار حول جسده المُتعب بغلظة، ثم حشروه بين ضلفتيْ قبر مُوحش. تطاير الرمل مثل جيوش من النمل الجائع ليغزو تجاويف الكفن الأبيض. ولسان حال القبر يقول: (هنا المرهقون انتهوا من شقاء، ومن ذلّة وازدراء).
قبل أن ينجز ملك الموت ما وعد، بدقيقة واحدة. إستل (عصام) طرف لسانه من جفير فمه المُثقّل بالهمّ والغمّ والألم والفقر وضياع الأمل في وطن (أخضر)، قال:
(كُنت أريد أن أبني مُستقبلاً باهراً لأسرتى وأشيّد لهم منزلاً، بدلاً «عشة الطين» التي يسكنونها. ولكني آسف. لم أستطع، سامحوني).
قالها في يقين اليائسين، وذهب محمولاً بالصُدفة، بسبب رصاصة انطلقت عن عمد، لها ألف عين وعين، ليسكن في مقبرة (الصدقة)، وأي صدقة تلك التي نالها عصام وهو ميت؟!
تُرى كيف تبدو مقبرة (الصدقة المصرية)؟!
يقول رئيس جمعية الجيل الجديد لحقوق الإنسان بمدينة سيناء، حمدي العزازي لمراسل شبكة (CNN) الامريكية التي بثّت تقريراً مصوراً الأسبوع الماضي، ظهر فيه (عصام) وهو يحتضر. يقول حمدي:
(ذهبت إلى المستشفى للإطمئنان على المُصابين من اللاجئين الأريتريين والسودانيين. قابلت الطبيب الجرّاح الذي يعالج الحالات المُصابة بطلق ناري. قال انه أجرى عملية استكشاف لشاب سوداني، وصحبني للإطمئنان عليه. بدأ عصام يفيق من الغيبوبة التي أصابته بعد إجراء الجراحة. وكان بحالة خطرة. أمسكت بيده وقلت له: (الله يشفيك ويعافيك). قال: (أريد التحدث معك). استأذنت الطبيب بأن أسجل ما سيقوله (عصام).
بطل (غصتنا) قارئ (حكايات)، واحد من مئات الشباب الذين فرّوا من جحيم (العطالة المؤسسة) في السودان. من مواليد مدينة الفاشر في الأول من يناير 1989م، أكمل اتفاقاً من (وسيط بشري) لنقله إلى إسرائيل. حمل جوازه وعليها تأشيرة خروج من السفارة المصرية في الخرطوم وقطع مسافة (900) كيلومتر بالبصّات السياحية إلى ميناء وادي حلفا أقصى شمال السودان، ومنها عبر الباخرة (ساق النعام) إلى ميناء أسوان، واستقل منها قطاراً إلى (باب الحديد) وسط القاهرة. وليت عصام شاهد وقتها تمثال (إبراهيم باشا) وهو يشير بيده منذ عشرات السنين، حتى قال فيه (عبد اللطيف النشّار)، شاعر الأسكندرية الساخر: (تشير إلى باب الحديد بأصبع/ لك الحق يا مولاي أقفل راجعاً).
ليت عصام قفل راجعاً للسودان (الضيّق)، ولكن… أخلاق الرجال تضيق!
مساء يوم وصوله القاهرة، إلتقى عصام بالوسيط الذي يحيل أحلام الشباب إلى رماد. وسبق أن سدد له مبلغاً من المال مقابل الوصول إلى سدرة المُنتهى في إسرائيل، عبر ثقوب حدودية مع مصر تمتد إلى (240) كيلومتراً.
قال عصام وهو يجمع الكلمات من بين فك الموت الذي أطبق عليه:
(بعد أيام من وصولي القاهرة، نقلني الوسيط إلى الحدود المصرية الإسرائيلية. وأثناء عبوري من السلك الشائك الأول إلى الثاني الذي يتوسط الحدود. أطلقت قوة من حرس الحدود النّار بعد أن توقفت تماماً ورفعت يدي مُستسلماً، ولم أدر بعد ذلك ما حدث. ولا أعلم كيف وصلت إلى المستشفى).
حين ألمح الطبيب، بأن (عصام) لم يتبق له سوى ساعات ليسلم الروح، سأل رئيس جمعية حقوق الإنسان عن ملابس (عصام) ومقتنياته، لعلها تكشف عن أسرته، فوجدها محفوظة بغرفة النفايات الخاصة بالمستشفى. فتأمل!
يقول (حمدي العزازي) الذي قدّمته قناة (CNN) الامريكية، بإعتباره أحد المهتمين بضحايا الموت المجاني على عتبة تل أبيب، برصاص مصري إسرائيلي مشترك، يقول:
(أحببت أن يرسل عصام رسالة إلى أهله وأقربائه قبل الوفاة. حاولت أن أعرف عائلته وكيف أتواصل معها، لأنه في اللحظات الأخيرة من حياته. وقمت بتسجيل المعلومات التي أعطاها لي كي لا أنساها. ومنها أن له أخاً يقيم في الخرطوم وبقية أسرته في مدينة بورتسودان).
في آخر سؤال عن رسالته إلى أهله، قال عصام: (كنت أريد بناء مستقبل باهر لهم ولكنني فشلت).
رد عليه (حمدي) وهو يعلم أنه يلفظ أنفاسه الأخيرة:
(ستعود إلى وطنك وتبني مستقبلاً لعائلتك، ولكن ليس بالهروب إلى إسرائيل، وسأسعى جاهداً لمساعدتك للإقامة والعمل في مصر بين أهلك).
وملك الموت ينزع الروح من الجسد المتعب، بثّ عصام آخر أمنياته:
(أحب أن أقول لوالدي ووالدتي، سامحوني! وأشكركم على كل ما فعلتموه من أجلى، وسأعود وأبني لكم مُستقبلاً باهراً. وشكراً على دعواتكم لي).
وقبل أن يكمل..
بلغت الروح الحلقوم، وجحظت منه العيون، وتسلل زبد أبيض من بين شفتيه (الناشفتين). ومع ذلك، وفي إيمان السودانيين الراسخ، نطق الشهادتين، وأسلم الروح قبل أن يبذل المزيد من الأمنيات لوالدته.
تُرى كيف تبدو (أم عصام) الآن؟!
أتراها تنتظر تحويلات (الشيكل) الإسرائيلي الذي (استشكل) على ولدها فدفع حياته ثمناً لإستبدال (راكوبة القش) في قرية سودانية نائية تنعق فيها البوم، بقصر منيف على حواف الخرطوم القاسية؟!
ليت عصام جلس إلى (ميسون)، أم يزيد بن معاوية وهي تنشد:
(لَبَيْتٌ تخفِقُ الأرواحُ فيه/ أحبُّ إليَّ من قصرٍ مُنيفِ/ ولبْسُ عباءةٍ وتقَرُّ عيْني/ أحبُّ إليَّ من لِبْسِ الشُّفوفِ/ وأكلُ كُسَيرَة في كِسْرِ بَيْتي/ أحبُّ إليَّ من أَكْلِ الرَّغيفِ/ خشونَةُ عِيشتي في البدْو أشهى/ إلى نفسي من العيشِ الظَّريفِ/ فما أبْغي سوى وطني بديلاً/ فحسبي ذاكَ من وطن شريِف).
ولكن..
هل بات الوطن شريفاً يحتمل أمنيات الشريف عصام؟!
قبل أن تغادر روح عصام سقف الغرفة، جاءت الممرضة وسحبت عنه أجهزة التنفس الطبية، وأشار أحد العاملين لرئيس جمعية الجيل الجديد لحقوق الإنسان، أن (هذه الملابس الملطخة بالدماء، هي ملابس عصام السوداني التي نُزعت منه عند دخوله غرفة العمليات فور وصوله بسيارة إسعاف).
وأخيراً..
عُثر داخل الملابس، على جواز سفر عصام!
يقول حمدي العزازي:
(ذهبت بجثة عصام إلى المشرحة، وأكملت الإجراءات القانونية وهاتفت السفارة السودانية وأبلغتهم بالوفاة. قالوا أن نقل الجثة إلى السودان مُكلف جداً، وبعثوا إلى أسرته يطلبون منهم دفع نفقات الترحيل، فردّت الأسرة بأنهم فقراء، لا يملكون مالاً لنقل الجثة، وطلبوا دفنه في مصر).
(كلها أرض الله)، أو كما قال حمدي!

صحيفة حكايات
وجدي الكردي
ع.ش[/SIZE][/RIGHT][/JUSTIFY]

‫3 تعليقات

  1. [B][COLOR=#FF2E00][[SIZE=4]FONT=Arial]ربنا يرحمه ويفغر لهمات جوعا وعطشا برصاص عربي مسلم ومن أجل لقمة العيش هذا قليل من كثير هذا في الطريق الي دولة اليهود فما بالك باللذين يموتون في ليبيا ولا عزاء لهم وأين هي الدولة من الشعب !!!!!!!!! [/FONT][/SIZE][/COLOR][/B]

  2. [SIZE=4]معليش ورغم الظروف القاسية في الوطن لكين هو برضو أرحم من رصاصات قوة حرس الحدود المصرية ….قصة عصام دي رسالة لكل من يحلم بالجنة في إسرائيل [/SIZE])

  3. حقيقة مولمة ما يقاسية الشعب السودانى الدى اعياه النضال بدنه فهو مازال مرهق هزيل ضعيف …رغم الموارد والنعم …
    ولكن بسبب الفشل الادارى والتخبط والطيش والفساد وحب الدات و و
    و والتى مات تحتعجلاتها الوطن وتمزق ورثته وشبابه بنات المستقبل بين الضياع والبحث عن بارقة امل حتى لو كانت اسرائيل …
    له الرحمة والمغفرة …
    وهده الروح مسئول عنها من اجاعها وظلما وخرجت مستضعفه مع المستضعفين من الرجال والنساء والولدان الدين لايجدون حلية ولايهتدون سبيلا …
    قالو فيما كنتم قالوا كنا مستضعفين فى الارض قالو الم تكن ارض الله واسعة فتهاجروا فيها …
    فالهجرة مطلوبة والبحث عن الرزق مطلوب ولكن اسرئيل فيها مخاطرة … ان عبرت وقعت فى براثن اليهود …