[JUSTIFY][SIZE=5]الأستاذ حسين خوجلي وفي حلقة الأحد الماضي من برنامجه الناجح عالي المشاهدة والاستماع «مع حسين» تناول في إحدى فقراتها علاقات السودان مع أمريكا وكعادته المحببة للكثيرين، انفعل حسين وصوب سؤالاً على الهواء مباشرة وبصراحته المعهودة عنه لماذا لا نطبع علاقاتنا مع امريكا حتى وان ادى ذلك لنكون عملاء! وطبعاً قد يستهجن الكثير من الناس ممن لا يعرفون الاستاذ حسين خوجلي هذه المقولة ويأخذونها عليه باعتبارها دعوة الى الارتماء في أحضان أكبر دولة ممارسة للظلم والغطرسة في التاريخ الحديث. ولكن من يعرفون الاستاذ معرفة لصيقة يدركون انه لم ولا ولن يدعو الى العمالة بهذا المعنى البسيط والمباشر للكلمة فطوال مسيرته الإعلامية وحتى السياسية ظل حسين وفياً لمبادئه ملتزماً بانتمائه وولائه للحركة الاسلامية في معناها الاشمل لم يبدل ولم يغير ولم يغشاه ما غشي غيره من انداده وحتى تلامذته من غاشيات التنكر والتنصل عن المبادئ ولم يجذبه بهرج السلطة ولم يقع صريعاً في حبها وعشقها كما فعل الكثيرون ممن استوزروا فاستكبروا ولم تخطف بصره بروق الجاه التي أعمت آخرين فكانوا عبيداً لها. حسين لم يمنن ولم يستكثر على الحركة الاسلامية ولم يقتات بسبقه ومجاهداته تثاقلت خطاه دوماً عن المغانم تعففاً وترفعاً ومسه الضر ولقي ما لقي من صنوف الأذى من إخوته في الحركة الاسلامية قبل اعدائه، تنتاشه سهام النقد ويقذف بالبذئ والسئ من القول فلا يفت ذلك في عضده ولا يحد من اصراره على المضي في طريق نصرة فكرته التي آمن بها غير عابئ بما يصيبه من أذى وضر ولسان حاله يقول «إذا كانت النفوس كباراً تعبت في مرادها الأجسام». لذلك فانني شخصياً لم انزعج لهذه الدعوة واستخدامه لهذه المفردة التي يقشعر لسماعها بدن كل وطني غيور على وطنه ودينه، وفهمي لدعوة الأستاذ حسين هو انه اراد ان يقول لماذا لا تكون لنا علاقات جيدة مع امريكا مثلما هو الحال بالنسبة لدول عربية اخرى لها علاقات جيدة مع امريكا رغم أخذها بالنظام الاسلامي في الحكم. وحقيقة فإنه يمكن بناء علاقات مع امريكا وليس هناك مستحيل في عالم السياسة الدولية اليوم اذ ان العالم شهد تراجعاً كبيراً للآيديولوجيا كمحدد رئيسي لحركة الدول في تفاعلها مع غيرها من الدول الأخرى، فقد انتهى هذا العهد بانهيار الاتحاد السوفيتي وانفراط عقد المعسكر الشرقي وتشتت منظومته ايدي سبأ. وحلت المصالح محل الآيدولوجيا كمحدد اساسي لحركة الدول في علاقاتها الخارجية ويمثل هذا الوضع فرصة مواتية للسودان لبناء علاقات جيدة مع امريكا ليس بالضرورة ان تكون علاقات عمالة. ولكن هناك في رأيي مقتضيات تمثل (أساساً) لعملية البناء هذه، واولى هذه المتطلبات هي الوعي بأهمية ومكانة و(قيمة) السودان، فلابد لصانع قرار السياسة الخارجية ان يكون واعياً ومدركاً للقيمة والاهمية الاستراتيجية للسودان وان يكون محيطاً بعناصر هذه القيمة والاهمية الاستراتيجية ومدى حاجة اللاعبين الدوليين اليها، ولا يعقل ان تبني علاقات خارجية صحيحة وانت لا تدرك قيمتك واهميتك بالنسبة للآخرين.
المتطلب الثاني هو ترميم البيت الداخلي وإصلاح مكوناته وجوانبه وذلك بتحقيق وفاق وطني لا يستثني احداً وهو ما لا يتم إلا بتقديم تنازلات كبيرة تكون قرباناً لمصالحة وطنية شاملة تضع حداً للحروب المشتعلة منذ عقود وتنهي التناحر السياسي الحاد الذي تشهده الساحة السياسية وتستعيد البلاد عافيتها مرة اخرى لتصبح واحدة موحدة، فمن غير الممكن ان تطور علاقاتك الخارجية وانت ممزق الجوانب والاطراف تتنازعك الخلافات وتعصف بك الصراعات. المتطلب الثالث هو ان يكون للسودان دورا ايجابيا وفاعلا في محيطه الاقليمي الجغرافي بحيث يكون مبادراً في حركته وان يكون رقماً مهماً في هذا المحيط، وان يكون في خانة (الفاعل) لا (المفعول به) ومن شأن ذلك ان يتيح له فرص لعب أدوار مهمة خارج نطاق الاقليم يكون مقدمة للعب دور أهم على الصعيد الدولي فمن المستحيل ان يكون لك دور مهم دولياً وانت مستضعف إقليمياً. المتطلب الرابع والأخير هو إعمار العلاقات مع دول الخليج العربية وعلى رأسها المملكة العربية السعودية والنظر اليها باعتبارها خطاً أحمر وجزء مهم ضمن منظومة المصالح العليا للبلاد لا يخضع للمساومة أو المبادلة، ومراجعة علاقاتنا مع بعض الدول المثيرة للجدل والتي ترد قيداً وخصماً على علاقاتنا بدول الخليج العربية.
صحيفة الإنتباهة
ع.ش[/SIZE][/JUSTIFY]