الطاهر ساتي

شكراً للأمطار ..!!


[SIZE=5][JUSTIFY][CENTER][B] شكراً للأمطار ..!! [/B][/CENTER]

** بالعمارات شارع ( 37)، لاتزيد مساحة مكاتبهم عن المائة متر مربع كثيراً، ولكنها تسع آمال البلد و آلامها..ومع الزحام لاتشعر بضيق، وكأن الذين يتزاحمون في تلك المساحة هم بعض أحاسيسك وحبك لوطنك.. بالصالة، عشرين شاباً يجلسون على الأرض ومن يقفون أكثر عدداً، يسترقون السمع إلى من تحاضرهم عن كيفية آداء المهام، وهي في مثل عمرهم تقريباً.. كما النحل حراكهم في تلك المساحة، ولاتسمع صخباً، والوجوه مشرقة رغم أنف الرهق والعرق والسهر.. بعضهم يشكل دائرة نصف قطرها متراً ونصف تقريباً، و يحدق في أجهزة الحاسوب لحد عدم الإحساس بما يحدث حوله، وهم الذين يرصدون ما يحدث في المناطق المنكوبة عبر المناديب ..!!

** والبعض – بهمة غريبة – يعبئ أكياس البلاستيك بمواد غذائية، ثم يعيد ترتيب وضع الأكياس عند مدخل المبني ليسهل ترحيلها ، ويسجل عددها وما فيها من مواد بدقة ويسلم الورقة للمسؤول عن التوزيع .. شفافيتهم مدهشة، فلغة الأرقام التي تحدث بها مسؤول المال – وعمره فوق العشرين بقليل – لم تتجاوز حتى إيراد فئة ( القرش)..وكان بين الحين والآخر يرجع الى الحاسوب ويذكر الرقم بدقة، والمدهش أن تفاصيل أرقامهم معروضة للرأي العام عبر صفحتهم .. (إستلمنا خمسمائة مليون جنيه، وصرفنا ثلاثمائة مليون جنيه، والباقي في الخزنة دي)، قالها الشاب ثم هب لعرض (أذونات الإستلام) و(أذونات الصرف)، ولكن إعتذرت عن الإطلاع مداعباً : ( لا كده كفاية، أنا ما مراجع عام) ..!!

** لم يكن مدهشاً أن يستلموا مبلغ ( 110 مليون) من فاعل خير في (ضربة البداية)، وغادرهم سريعاً لكي لايعرفوه .. ولم يكن مدهشاً أن تأتي تلك الفتاة بصحبة شقيقتها لتسلمهم ( 70 مليون)، وتغادر بعد أن تفرغ شقيقتها للعمل معهم .. ولم يكن مدهشاً أن نصف ميزانية نشاطهم يصلهم عبر الهاتف (0918660866)، من أرقام أصحابها يتعمدون إخفاء الإسم.. وحزمة إيصالات بمبالغ من فئة ( 10 جنيه، 20 جنيه، 15 جنيه، و..و..)، هي المقدرة ب (250 مليون جنيه).. ولم يكن مدهشاً أن تأتي إمرأة وتتبرع لهم بمنزلها بالعمارات لحين إنتهاء الأزمة، بحيث يكون مقراً مجاوراً لمقرهم الحالي، مقر منظمة الجسر..لقد نالوا ثقة الشعب بإخلاصهم ، ولذلك تنهمر عليهم المواد والأموال من الشعب والدعاء من المنكوبين.. شركات السلطة لم تمدهم بجنيه ولا بنوكها، وكذلك غابت عنهم منظمات السلطة التي تنشط في كوارث غزة والصومال و البوسنة و غيرها.. وهم لم يراهنوا في حملتهم إلا على شعبهم، ولم يخزلهم الشعب .. وهم أمناء على ثقة شعبهم ويعضون عليها بنواجذ الشفافية المطلقة التي تجاوزت دفاترهم المالية إلى صفحتهم الإلكترونية.. هؤلاء هم من يجب أن يكونوا أمناء على موارد البلد.. ولو كانوا، لما تبخر الفساد و التبديد في الصيف والشتاء، ليُمطر فشلاً وعجزاً في الخريف ..!!

** المهم..رب ضارة نافعة، وشكراً للأمطار التي هطلت لتنبت في أرض البلد (شباب نفير)..غير الأفواج التي تفوادت ضحى البارحة، أكثر من ستمائة شاب، على مدار اليوم، بتوجيه وتنسيق غرفة عمليات إلكترونية، ينتشرون في مناطق الوحل والطين، والسماء تمطر وترعد وتبرق فوق رؤوسهم، وهم يستمتعون بجهد إنقاذ المنكوبين وإطعام أطفالهم، ولا يبالوا إلا بالتعب الذي يصيب المنكوب، ولايحزنوا إلا على حزن أطفال الضحايا.. لهم قصص في نجدة المنكوب و إطعامه، ولهم في خدمة الضحايا جراحات تنزف دماً ودموعاً.. سألت إحداهن عن اسمها وعنوانها وجامعتها، لتكتفي بالاسم ( أماني)، وتمسك اسم الاب والعنوان والجامعة..وعندما تخرج الكاميرا للتوثيق أحدهم، يدير وجهه الى جهة اخرى ويحني رأسه، ثم يعود ويبتسم ويعتذر بلطف ( أستاذ ركز لينا في إحتياجات المتأثرين، العدد الكبير و لازم نعمل حاجة)، فاستوعب الرسالة.. شكراً للأمطار، بهؤلاء – وغيرهم كثر – لاخوف على بلادنا وتغيير واقعها البائس.. فالذي ينقذ المواطن من الموت غرقاً أو جوعاً، لن يعجز عن إنقاذ الوطن.. !!

[/JUSTIFY][/SIZE]

إليكم – السوداني
[email]tahersati@hotmail.com[/email]

تعليقات فيسبوك


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *