وتقول العرب (لا تستشِر من ليس في بيته دقيق)، ويردون ذلك إلى أن من ليس في بيته دقيق يكون مشغولاً بالتفكير في تدبير قوته ومعاشه ولا صوت عنده يعلو فوق صوت معدته. ولدى الإنجليز مثل يقول A hungry man is an angry man أي الرجل الجائع رجل هائج.
هذه المقدمة ضرورية للحديث عن قضية (الحالة المعيشة) والتي تشغل الجميع في هذا البلد (حكومة وشعباً) وهي بحق في هذه الأيام تعتبر أم القضايا. ولا شك أن الغالبية العظمي من أفراد الشعب السوداني تعاني من غلاء المعيشة وارتفاع أسعار السلع الأساسية والذي يأخذ شكلاً تصاعدياً سريع الوتيرة، حتي يمكن تشبيه هذا الإرتفاع المتوالي في الأسعار مثل النهر الجاري الذي لا يمكن لك أن تسبح فيه مرتين فمياهه متدفقة وجارية، فالسعر الذي تشتري به اليوم لا تستطيع الشراء به لنفس السلعة في اليوم التالي!
الحكومة وحتى لا نتجنى عليها بغير حق بذلت وما تزال تبذل الكثير من المحاولات وصاغت وما إنفكت تصوغ السياسات التي تستهدف من ورائها تخفيف أعباء المعيشة عن المواطنين، ولكن آفة وعلة هذه المحاولات والقرارات والسياسات الحكومية أنها إما (نظرية) محضة ومجرد حبر على ورق وأقوال رنانة تطلق على الهواء الطلق في مناسبات مختلفة لتعدو بها الريح الهوينا وتتبدد في الفضاء وإما انها تطبيقات لا تجد المتابعة اللصيقة والضرورية لتصير سياسات وقرارات تمشي على قدمين، وغلاء الاسعار يجعل الحصول عليها صعب المنال مما يؤدي الى الفقر والفاقة وهما يفضيان الى الجوع.
والجوع (كافر) وأشد خطراً من الحروب، فهو خطر يحدق بالفرد من كل ناحية، خطر على دينه وعبادته وتفكيره، الجوع لا يقتصر أثره السالب علي التفكير فقط ولكنه يؤثر على السلوك أيضاً، لذلك تجد ذكره في القرآن مقدم دائماً على الأمن مما يدل على شدة خطره وتأثيره على ما عداه من أمور أخرى، قال تعالى (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ). وفي آية أخرى يقول الله تعالى (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ).
الحكومة في سعيها لتخفيف أعباء المعيشة عن المواطن لا بد أن تستقصي كل الحلول وألا تستثني مظانها ولا تستبعد أية حلول مهما كانت صعبة أو مؤلمة لأن الجوع أصعب وأكثر إيلاماً مما سواه. والحلول التي تعمل الحكومة جاهدة لتطبيقها هي حتي الآن لم تلامس (العصب) الحساس، فهي محاولات تحوم حول (حِمي) الحلول الحقيقية ولا تأخذ بأحسنها، ومن هذه الحلول الناجعة في رأيي ترشيد الصرف الحكومي وقوامه وعموده محاربة الفساد والمفسدين سواء كانوا مسئولين حكوميين أو كانوا تجاراً في السوق من الذين لا يرقبون في المواطن إلّاً ولا ذمة ممن يسمون بالتماسيح والمحتكرين للسلع الأساسية فهؤلاء يجب أن يجدوا من الحكومة غلظة وشدة في المحاسبة وحرباً حقيقية لا هوادة فيها ولا مجاملة، والترشيد يجب ان يطال مخصصات من يطلق عليهم الدستوريون، فهذه المخصصات لا تتناسب مع الحالة الإقتصادية الصعبة التي تعيشها البلاد، وحتي لا يكون هؤلاء الدستوريون جزءاً من الأزمة وسبباً فيها، كذلك يمكن للحكومة أن تقوم بإحتكار إستيراد وبيع السلع والخدمات الأساسية ولا تتركها لآليات السوق بحجة عدم التدخل في سياسة التحرير، فسياسة التحرير ليست مقدسة خاصة إذا أنتجت آثاراً سالبة تمس معيشة الناس اليومية، والمنطق يقول أنك لن تستطيع فرض سعر محدد لسلعة أساسية لم تستوردها أنت ولا تملكها والواقع المعاش يدلل علي ذلك فمثلاً سعر السكر الذي اعلنته الحكومة في وادٍ وسعره في السوق في وادٍ آخر تماماً.
ونختم بالقول أن تخفيف أعباء المعيشة عن المواطن يجب ان يُقدم على ما سواه من قضايا اخرى، فالمعيشة اليومية حينما تصبح هاجساً وهمّاً يومياً فإن ذلك سيؤدي إلي ضياع الكثير من القيم مثلما أضاعت من الإمام الشيباني وهو من هو ـ أربعين مسألة فقهية! وقديماً قيل (صوت المعدة أقوى من صوت الضمير).
صحيفة الإنتباهة
[/SIZE][/JUSTIFY]
