الركابي حسن يعقوب : صوت المعدة أقوى من صوت الضمير !

وتقول العرب (لا تستشِر من ليس في بيته دقيق)، ويردون ذلك إلى أن من ليس في بيته دقيق يكون مشغولاً بالتفكير في تدبير قوته ومعاشه ولا صوت عنده يعلو فوق صوت معدته. ولدى الإنجليز مثل يقول A hungry man is an angry man أي الرجل الجائع رجل هائج.
هذه المقدمة ضرورية للحديث عن قضية (الحالة المعيشة) والتي تشغل الجميع في هذا البلد (حكومة وشعباً) وهي بحق في هذه الأيام تعتبر أم القضايا. ولا شك أن الغالبية العظمي من أفراد الشعب السوداني تعاني من غلاء المعيشة وارتفاع أسعار السلع الأساسية والذي يأخذ شكلاً تصاعدياً سريع الوتيرة، حتي يمكن تشبيه هذا الإرتفاع المتوالي في الأسعار مثل النهر الجاري الذي لا يمكن لك أن تسبح فيه مرتين فمياهه متدفقة وجارية، فالسعر الذي تشتري به اليوم لا تستطيع الشراء به لنفس السلعة في اليوم التالي!
الحكومة وحتى لا نتجنى عليها بغير حق بذلت وما تزال تبذل الكثير من المحاولات وصاغت وما إنفكت تصوغ السياسات التي تستهدف من ورائها تخفيف أعباء المعيشة عن المواطنين، ولكن آفة وعلة هذه المحاولات والقرارات والسياسات الحكومية أنها إما (نظرية) محضة ومجرد حبر على ورق وأقوال رنانة تطلق على الهواء الطلق في مناسبات مختلفة لتعدو بها الريح الهوينا وتتبدد في الفضاء وإما انها تطبيقات لا تجد المتابعة اللصيقة والضرورية لتصير سياسات وقرارات تمشي على قدمين، وغلاء الاسعار يجعل الحصول عليها صعب المنال مما يؤدي الى الفقر والفاقة وهما يفضيان الى الجوع.
والجوع (كافر) وأشد خطراً من الحروب، فهو خطر يحدق بالفرد من كل ناحية، خطر على دينه وعبادته وتفكيره، الجوع لا يقتصر أثره السالب علي التفكير فقط ولكنه يؤثر على السلوك أيضاً، لذلك تجد ذكره في القرآن مقدم دائماً على الأمن مما يدل على شدة خطره وتأثيره على ما عداه من أمور أخرى، قال تعالى (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ). وفي آية أخرى يقول الله تعالى (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ).
الحكومة في سعيها لتخفيف أعباء المعيشة عن المواطن لا بد أن تستقصي كل الحلول وألا تستثني مظانها ولا تستبعد أية حلول مهما كانت صعبة أو مؤلمة لأن الجوع أصعب وأكثر إيلاماً مما سواه. والحلول التي تعمل الحكومة جاهدة لتطبيقها هي حتي الآن لم تلامس (العصب) الحساس، فهي محاولات تحوم حول (حِمي) الحلول الحقيقية ولا تأخذ بأحسنها، ومن هذه الحلول الناجعة في رأيي ترشيد الصرف الحكومي وقوامه وعموده محاربة الفساد والمفسدين سواء كانوا مسئولين حكوميين أو كانوا تجاراً في السوق من الذين لا يرقبون في المواطن إلّاً ولا ذمة ممن يسمون بالتماسيح والمحتكرين للسلع الأساسية فهؤلاء يجب أن يجدوا من الحكومة غلظة وشدة في المحاسبة وحرباً حقيقية لا هوادة فيها ولا مجاملة، والترشيد يجب ان يطال مخصصات من يطلق عليهم الدستوريون، فهذه المخصصات لا تتناسب مع الحالة الإقتصادية الصعبة التي تعيشها البلاد، وحتي لا يكون هؤلاء الدستوريون جزءاً من الأزمة وسبباً فيها، كذلك يمكن للحكومة أن تقوم بإحتكار إستيراد وبيع السلع والخدمات الأساسية ولا تتركها لآليات السوق بحجة عدم التدخل في سياسة التحرير، فسياسة التحرير ليست مقدسة خاصة إذا أنتجت آثاراً سالبة تمس معيشة الناس اليومية، والمنطق يقول أنك لن تستطيع فرض سعر محدد لسلعة أساسية لم تستوردها أنت ولا تملكها والواقع المعاش يدلل علي ذلك فمثلاً سعر السكر الذي اعلنته الحكومة في وادٍ وسعره في السوق في وادٍ آخر تماماً.
ونختم بالقول أن تخفيف أعباء المعيشة عن المواطن يجب ان يُقدم على ما سواه من قضايا اخرى، فالمعيشة اليومية حينما تصبح هاجساً وهمّاً يومياً فإن ذلك سيؤدي إلي ضياع الكثير من القيم مثلما أضاعت من الإمام الشيباني وهو من هو ـ أربعين مسألة فقهية! وقديماً قيل (صوت المعدة أقوى من صوت الضمير).
صحيفة الإنتباهة
[/SIZE][/JUSTIFY]







استاذ الركابى حسن يعقوب / ولد كسلا / سلام
الحكومه فى وادى والجماهير فى وادى . انت طبعا ولد الحكومه واشتغلت معها فى جهاز هام جدا . عشان كده عصايه راقده وعصايه قايمه . يا ركابى هل سمعت يوما عن مسئول فى هذه الحكومه شكى من الجوع …هل رايت مسئول حكومى يعنى من ناس المؤتمر الوطنى ماشى كدارى …لابس سروال مقدود …فطر بالبوش واتغذى بالسخينه …الشعب هو الضحيه يا ركابى لا تداهن الحكومه لم تقدم شىء . وكا قالوا نتمنى ان تعيدنا الانقاذ الى المكان الذى انقذتنا منه …من هم اصحاب الثروه الان ؟ من هم الحراميه … انت فى جهاز حساس وتعرف من هو الخائن ومن هو البطل ؟ ونحن الشعب لنا الله يا ركابى … اصحى من نومك يا ….
لنزكركم بهذا الموضوع:
في شهور الململة تحت سكوت شارعنا الصبور دائما و التي سبقت عاصفة ابريل 1985، والملايين تقف زاحفة وراء الحاجات الضرورية للحياة ،وقد تمددت أرتالا و سدت كل الطرق و الممرات بحثا عن الوقود والسكر واللحوم والرغيف والفحم !
وحتى الذين يبحثون عن الموت قبل يومهم هربا من عموم الاوضاع، فكانت صفوفهم طويلة تنتظررصاصة الخلاص من لدن القدر الرحيم !
كنت ليلتها أجلس مع الراحل الصحفي الساخر جدا أستاذي .. رحمي محمد سليمان، طيب الله ثراه ، في منزله العامر بالخرطوم ، نشاهد اللقاء الشهري للرئيس الراحل جعفر محمد نميري سامحه الله ، و يومها لم يترك شاردة أو واردة من النعوت القبيحة والشئائم وعلامات حراق الروح الا و صبها كالزيت الحار على وجه الشعب المجهد في ليلته الموحشة تلك !
وبعد ان انتهت حفلة الردح مباشرة ،أراد التلفزيون أن يبّرد وجعتنا بما هو أكثر سخونة في القرف ، فبث أغنية ، تقول ..
( بفكرك ..ووعيك ..يا ريس ..يا داب سودانا بقى ..كويس )
وهنا ضحك أستاذي رحمي وهو يخاطبني قائلا ، تعرف يا ابني يا أبو الأباريق، كما كان يحلو له مناداتي ، قلت له مصغيا ، نعم يا أستاذ ، فأستطرد ..يقول لي مداعبا، بما أنك شويعر غنائي ، فما رأيك أن تضيف شطرة لهذ المعلّقة الألمعية ، لترددها الجماهير الواقفة في صفوف الوجع المايوي/ السبتمبري هذه !
وتكتمل اللوحة الابداعية كالتالي !
مثلا عندما تنتهي ، جزئية يا داب سودانا بقي كويس في النشيد، هنا يهتف وراءها جماعة الصفوف كلهم كشيالين تقيلة، ويقولوا بصوت واحد وهم يصفقون هكذا..( جدا ..جدا..جدا..) ، وضحك ضحكته الرنانة تلك و المعبرة أكثر من بكاء الرجال ، ورفع يديه من التصفيق ليمسح بهما دمعته العفيفة التي لن تغيب عن ذاكرتي ما حييت !
فتصورت لو أن أستاذي عاش ، وسمع اعلامنا والسودان في هذه الأيام من ترنح الانقاذ وقد عادت بنا الى مربع الأجواء التي سبقت ابريل ، وبنفس المسببات وذات المتسببين وكل الصور القديمة تتراءى من جديد و ترتسم في العيون وتقفزصفاقة الأصوات المشروخة ونبرة السخف الخطابي من المسئؤلين الى المسامع التي ملت كلامهم وعلى رأسهم رئيس البلاد ، فيما اعلامنا في هبل لا زال يبث هذيانا لمهوسي العهد اللعين ، نوابا ومنتفعين وهم يحسون الرئيس الداقس ، للسير ضد ارادة الأمة ، هاتفين سير سير يا بشير !
لو كان أستاذي رحمي حيا ومن حسن حظه أنه الآن في رحاب المولى الكريم بعيدا عن دنيا الهوان التي نعيشها في ظل حكم هؤلاء الأوباش و طلب مني بسخريته العميقة أن أضيف شطرة لهذا السجع السمج على القلوب والعقول قبل استقباح طبلات الأذن له ، فانني سأجعله صدرا مكملا بعجز وان كان لا يشبهه في القافية ولكنه سيكون منسجما تماما معه في المعني ليصبح !
( سير سير يا بشير ، ولكّن ..بلا .. )
طيب نخليها في الآخر !
فذات ملامح المفارق التي ظهر بها النميري في قمة موجة هستيريته الأخيرة ، شاهدتها اليوم في وجه البشير الذي بدأ من خلال خطابه التي بثته الفضائيات ، كالحا وضامرا .. مسهدا مجهدا وكأنه لم يذق طعم النوم لشهور ، وهو يصف المتظاهرين بشذاذ الآفاق والمحرشين و المشاغبين ، ولانه كحكومة مسئؤلة والشر
بره وبعيد عن المسئؤلية المفترى عليها !
يقول ويعترف بلسانه الذي ديدنه الزلات الفاضحة ، أنه يملك من مليشيات الحزب ، ما يفوق عدد المتظاهرين ، لو أنه أطلق لهم العقال لفتكوا بهم !
فهمهم الدجالون بتكبيرة خرجت خافتة هزيلة من بين الشوارب الحليقة و اللحى الطليقة على غير العادة !
وساعتها قفز الى ذهني تساؤل عابر !
ألم يسمع هذا المشير البشير ، وعصابته المارقة وبطانته المنافقة وهم الذين يعتبرون من شدة وهمهم ان دولة ماليزيا هي مثلهم الأعلي ، طبعا لتعليق المسروقات في سقفها !
كلام رئيس وزرائها السابق مهاتير محمد الذي ينام الآن بعيدا عن الحكم وسط أمته ، قرير العين ومرتاح الضمير بعد أن جعل بلادة في أسمى درجات سلم الرقي الصناعي والاجتماعي والرفاهية الاقتصادية والمعيشية والاعتدال في الحكم الديمقراطي المدني ووسطية النهج الاسلامي و تعايش تعددية الأديان و انسجام الأثنيات ، تتمرجح على جدائل السحاب !
وحينما سئل مهاتير، كيف تمكن من كل ذلك في أقل من ربع قرن هو مايعال عمر الانقاذ المهدر؟
قال مجيبا في كلمتين !
ببساطة لانني كنت أخاف من شعبي .. وأخاف عليه !
فا لكل يابقايا النظام الهالك لامحالة و يا حثالة وطحالب زير المشروع الانشطاري!
أصبح يعلم ان أعراض مرض خاتمة الديكتاتوريات المحتضرة واحدة !
تبدأ دائما بالتهديد والوعيد لحركة الشارع ، و تتضاءل تلك اللهجة مع تصاعد غبار الثورة وكتاحتها الجارفة ، الى أدنى مستوى التنازلات من قبل الحاكم ، ثم المبادرة باصلاحات شكلية متأخرة قد تطال بعض كباش الفداء من الحاصلين على درجة ممتاز في الكراهية الشعبية ، و تبدأ لغة الرجاءات بعد فشل كل المعالجات الخجولة ، ولكن الجماهير وقتها تكون قد وصلت الى قناعتها بالحكمة القائلة ، أن الذي يفلق لا يمكن أن يداوي !
ومهما يكن نوع التهديد فلن يثني شعبنا الثائر عن اكمال مشواره لاسقاط النظام الراجف ، بعد أن انطلق من قمقمه الذي مكث فيه طويلا ، و قد فات الآوان كثيرا على اصلاح كل الذي تكّسر على صخرة الواقع المرير بعد السرحان عقودا في أحلام اليقظة وقد ذهبت سرابا في خطى السنين التي خسرناها ولن تعود !
الآن المسألة لم تعد مجرد قضية توفير الكسرة والملاح فقط ، كما يتصور الواهمون والذين يسيئون فهم تركيبة هذا الشعب الحصيف !
فحينما انتفضنا على حكم الراحل عبود ، كان حجم صينية وجبة البيت السوداني في أقاصي دارفور بحجم صينية الحركة في قلب الخرطوم وكان جوز الفراخ هناك ( دجاجتين وديك ) وبريال واحد، فما بالك من نعم الحياة التي كان يتكرم أهل المدن بفائضها على السائل والمحروم وعلى قلتهم في ذلك الزمن النبيل !
ومستوى الحاتمية في كل أنحاء البلاد من صنف
( حرّم ما تمشوا قبل ما تأكلوا الكرامة وهي في حدها الأدنى عجل وليست حميل ولا سخيل)
فلسنا طلاب زكاة ولا صدقة ولا لقمة مرة من نظامكم ، التي تلبكت معدته بالأكل الحرام !
فلو كانت عقول الكائنات تنمو بما تلتهمه من العلف ، لصارت الحمير فلاسفة ،و لكبرت عقولكم أنتم من الشبع ، وأفقتم لمعرفة حقيقة ما تريده الأمة ، أيها الفقراء من كل فهم !
ولكنتم عبأتم أذهان من تسمونهم مجاهديكم وشباب كوادركم ، بما ينفع من العلوم التي تبنى بها البلدان وترتفع بها الشعوب عن قائمة أفشل دول العالم ، لا بثقافة الموت كالذئاب التي تفكر بنوائبها ومخالبها !
فالحياة قد خقلنا الله في دنياها لنكون خلفاء له في تعميرها ، وليس أفيالا تأكل أطنانا من العشب وخيرات الأرض ومن ثم تنقلب من ضخامة أجسادها وقلة عقلها على الغابة وتعيث تدميرا في خضرتها وتكسيرا لأشجارها !
ولئن بدت كروشكم منتفخة مثل كروشها الواسعة بغازات الخوف التي حان وقت اطلاقها عند الادبار ، فسنحتمل رائحتها، مع فراركم يا ريس ، وحناجر المجد ، تشيعكم بهتاف طالما ، أطربكم ورقصتم عليه مضافا اليه ما تستحقونه في لحظة لعنات التشييع ان كنت تسمع ، ولا نقول الوداع !
( فسير ، سير ، يا بشير ، ولكن بلا رجعة ) فما سفر البن الا وعاقبته.. الدق بعد الحريق !
وسحقا لكل أفاك أثيم .
والنصر لنا .