بالأرقام.. بلاغٌ للرأي العام



شارك الموضوع :

بالأرقام.. بلاغٌ للرأي العام


(1)

أمس الأول كانت الصحافة السودانية ضاجّـة بالأرقام والمعلومات على غير عادتها. هذه الظاهرة تستحق الاحتفاء، كما أنّ الذين أفرجوا عن تلك المعلومات خلال التصريحات أو الأوراق التي قُدمت في ورش العمل يستحقون الشكر. توفر المعلومات بين يدي الصحافة وهي تحاول توجيه الرأي العام يمثل أهمية بالغة. لطالما شكت الحكومة من عدم دقة الصحفيين ولكنها لم توجه مسؤوليها قط بتملك أولئك الصحفيين المعلومات اللازمة لأداء مهامهم على وجه الدقة المطلوب.

(2)

قال اللواء أحمد إسماعيل ممثل جهاز الأمن خلال ورشة الحصانة أول أمس: (يمكن مقاضاة جهاز الأمن. وقال إن 188 عضواً من الجهاز تعرضوا لمحاكمات، 6 منها عسكرية). هذا بلا شك إعلان شفّاف أهميته تكمن ليس في المحاكمات التي جرت ولكن في الإعلان عما جرى. إذ وقع في خلد الناس أن الجهاز لا يسائل منسوبيه مهما فعلوا وليست هناك جهة لحسابهم، كما لا يمكن مقاضاة الجهاز. الاطمئنان الذي يجب أن يشعر به المواطن تجاه أجهزة الدولة كافة وهي تؤدي أعمالاً لابد ان يترسخ ليعطي الإحساس بأن لا أحد فوق القانون والناس سواء أياً كانت وظائفهم ومواقعهم. تلك هي قيمة العدالة. والجهاز بهذه المحاكمات والإعلان عنها إنما يعمل على ترسيخ تلك القيم وهي رسالة للمواطنين، كما هي رسالة لأفراد الجهاز نفسه وهم يؤدون مهاماً تعتمد على تقديرات بشرية تخطئ وتصيب فإذا ما أخطأوا فهم ليسوا بمنجاة من المحاكمات والعقاب.

لكم وودت لو أن الجهاز كان قد نوه لمحاسبة أفراده علناً في وقت وقع الجرم حتى تكون الرسالة أكثر فعالية في حينها. كما وددت لو أعلن الجهاز عن القضايا التي خسرها في مواجهة مواطنين عاديين، علماً بأن ذلك الإعلان يضيف إليه ولن يخصم مطلقاً من صورته. يُشكر اللواء إسماعيل والجهاز على تلك الشفافية، ومزيدٌ منها مفيدٌ وأنفع لقيم العدل.

(3)

أعلن المهندس إبراهيم محمود وزير الداخلية أمس الأول أن حوادث المرور أدت لوفاة (2482) شخصاً، فيما بلغت البلاغات المُدوّنة خلال العام (2011 60،343) بنسبة انخفاض بلغت (9،6 في المائة)، أي أنّ العام 2012 تناقصت إلى (50) ألف بلاغ تقريباً. ما افتقدته في هذه الأرقام هو التحليل الذي كان ينبغي أن يكون مصاحباً لها حتى ندرك لماذا مثلاً تزايدت الحوادث المرورية بهذا الشكل؟. لماذا انخفضت نسبة البلاغات خلال العام 2012؟. التحليل يساعدنا على القراءة الصحيحة لمعرفة الجهود التي بذلتها الشرطة أو حجم التقصير الذي لازم أداءها، فالأرقام وحدها لا تفسر شيئاً، فآراء المحللين يمكن أن تعيننا على الفهم الصحيح لتلك الأرقام. تمنيت لوضع هذا التقرير الجنائي أمام مختصين لاستخلاص النتائج وقراءة المؤشرات وإرفاق ذلك كملحق للتقرير الذي صدر.

(4)

أرقام أخرى أفرج عنها الأستاذ بدر الدين محمود نائب محافظ بنك السودان تتعلق بالموارد المُهدرة جرّاء الصراع السياسي الذي جرت فصوله بين دولتي السودان وجنوب السودان خلال عام ونصف. قال محمود إنّ إجمالي الفاقد من الموارد البترولية التي كان يمكن أن تعود على الأطراف المختلفة (20 مليار دولار)، فَقَدَ السودان منها (5 مليارات دولار) وفَقَدَ الجنوب (11 مليار دولار) وخسرت الشركات (4 مليارات دولار). هالني حقيقة الرقم المعلن واعتصر الألم قلبي على تلك الموارد الهائلة التي كان يمكن أن تستثمرها الدولتان لصالح شعبيهما ولكنها السياسة قاتلها لله.

يا ترى كم مدرسة ومستشفى كان يمكن أن تنشأ بهذه الأموال المُهدرة؟. كم طريق كان يمكن أن تشيده؟. كان يمكن لعجز الموازنة أن ينخفض إلى أدنى درجة، كما كان يمكن أن ينعدل ميزان المدفوعات الخارجي. تصوّروا لو دعمت الزراعة بربع هذا المبلغ. تصوّروا لو تم دعم مصانع الدواء بـ (10%) من هذا الرقم مؤكد أنّ استيراد الدواء من الخارج كان سيتوقف. كم مصنع سماد يمكن تشييده بـ (50%) من هذا المبلغ المُهدر؟.

أهدرت الدولتان تلك الموارد التي هما في أمس الحاجة إليها في الحرب والتوتر وتلك استثمارات خاسرة لا عوائد منها أصلا. كلما نرجوه أن تكون الدولتان قد تعلّمتا درساً من تجربتهما المُرة فلا تعودا لإهدار مواردهما فيما ما لا طائل من ورائه سوى الخسران المبين.

الكاتب : عادل الباز
صحيفة الرأي العام
[EMAIL]elbaaz40@gmail.com[/EMAIL]

شارك الموضوع :

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.