كوش نيوز .. أخبار السودان بين يديك

شباب فوق الخمسين



شارك الموضوع :
[JUSTIFY]
شباب فوق الخمسين

كعاداتها الرشيقة دائما، أعدت كوكبة الإبداع الشابة بقناة “النيل الأزرق” برنامجا امتد لثلاث ساعات كنت أحد ضيوفه بجانب الشاب علم الدين حامد، واليافع د. دقش، والصبي بدر الدين حسني، و”الشافع البعيو”.
تناول اللقاء مع هؤلاء “القاصرين” عدة موضوعات منها الطفولة والصبا والشباب، لكن الفقرة الأهم كانت طريقة كتابة الخطابات، فقد أصر المخرج على منح كل صبي منا ورقة ليكتب ما شاء من الغزل الصريح الذي كان مباحا في أزمنة لم تكن فيها سبل التوسل للمرأة سانحة إلا عن طريق الكتابة.
سقطت في هذا الاختبار لأنني لم أكن أكتب الخطابات في ذلك الأوان النضر أوان “مافي حتى رسالة واحدة؟”. كانت الرسائل في ذلك الزمن هي من تنوب اللسان، وتهون العفة وتخلخل ما يتماسك في المحبوب، اقترحت الأغاني يؤمئذ مقترحات جمالية عدة لإيصال الرسائل منها “الحمام الزاجل”، تأمل منى الخير وتذوق عسل صوتها حين يتصفى “يا حمام يا زاجل.. جيب لي منو رسايل” لكن ابراهيم الكاشف اعتمد الرسالة كركن رئيس من أركان تقوى العشق بتوسله الشفاف “حبيبي أكتب لي.. وأنا بكتب ليك بالحاصل بي.. والحاصل بيك”.
مثلث هذه الأغنية حدا فاصلا بين عذرية العشق وواقعيته، سأل أحدهم ما هو أكثر بيت شعر رمانسي؟ فأجابه صديقه “حبيبي أكتب لي.. وأنا بكتب ليك” وسأله مرة أخرى: ما هو أكثر بيت شعر واقعي؟ فأجابه.. “حبيبي أمسك لي وأنا بقطع ليك”!!.
في ذلك الزمن، أوان الرسالة، وتقطير المشاعر وذرف العشق عن طريق الحبر، برزت مؤلفات في طريقة كتابة الخطاب الغرامي بطريقة عشقية طازجة، لتحل مكان القاموس العشقي المتداول آنئذ “أهديك سلاما إذا مر بالجبال هداها”. أبرز تلك الكتب التي كان يتم تداولها في الستينيات كتاب هندي عوض الكريم على قبره الشآبيب الرطاب، كان يطبع عشرات آلاف النسخ في مطبعة “التمدن” ذات الورق الأغبش، والحروف الرصاصية الأبنوسية اللون.
فاض هذا الكتاب على العشاق بالأخيلة، وغزارة الرسائل، وكانت الرسائل أيامها تحفظ في الصفائح، فلكل عاشق ذكر “قيروانة” ولكل عاشقة معطار “صفيحة”!!.
كنت في ذلك الزمن النضر وزيرا للعريس علي فضل الله فتى المسيرية العشَّاق، وكان يودع في ذلك اليوم آخر عهد الرسائل ليدخل باحة الفعل الواقعي وغابة النار، كانت حصيلته من الرسائل صفيحة كاملة يلمع غطاؤها المعدني بلون الفضة، وكنت أمازحه بتحريف أغنية حقيبة “يا الهواكم بقى لي صفيحة”.
أكثر من أجاد كتابة الرسالة في الحلقة الولد دقش ذلك الصبى الغر المسكون بوجع الطفولة، وعندما قرأت المذيعة الرسالة على المشاهدين ارتسمت الابتسامة على فمه الصغير حتى فاض بأسنان اللبن!!.
أشد على كفيْ صديقنا حسن فضل المولى الذي أحاط هذه القناة بسياج جمالي يتدفق بالأسئلة ويبتدع كل مرة حلقة من حوار ندي.
[/JUSTIFY]

أقاصى الدنيا – محمد محمد خير
صحيفة السوداني

شارك الموضوع :

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

سودافاكس