كوش نيوز .. أخبار السودان بين يديك

ارتفاع متواصل لأسعار السلع الأساسية أصاب الموطن بحالة من الحيرة يخالها غضبا ساطعا حل على أرجاء الوطن



شارك الموضوع :

[JUSTIFY]”حالة صعبة.. السوق مولع نار.. والعيشة غلبتنا” عبارة تتجاوز أذنيك في الطريق العام بين شخصين تحسس أحدهما جيبه ولم يجد فيه غير حفنة جنيهات، قطعاً لا تكفي لجملة احتياجات، وجنيهات تسقط أمام الدولار المتصاعد، ما إن تصعد إلى مقعد الحافلة المتجهة من أم درمان إلى الخرطوم، ذات العبارة تأتيك من بين تزاحم الناس والسيارات في أوساط السوق وتعالي الأصوات من الباعة، أرقام الأسعار المرتفعة تصيبك بالذهول، حالة من التضجر والاستياء تعلو جبين كل من يتحسس طريقه نحو أي من الأسواق لشراء سلع أساسية، ذات حالة التذمر تلاحقك عند ذهابك إلى المناسبات الاجتماعية، فرحاً كانت أو ترحاً، لا تجد في سرداق العزاء إلا حديثا عن الارتفاع الجنوني في الأسعار، ومن يرد إقامة مناسبة زواج أو غيرها يصطدم بذات اسطوانة ارتفاع الأسعار.. غلاء غلاء.. تلك ربما هي المتلازمة التي تؤرق مضجع كل بيت سوداني..

تيرمومتر المعاناة

الأسعار التي تسير بمتوالية يومية في الارتفاع تجدها في آلاف القصص والحكاوي اليومية، قصص تتجدد فصولها كل صباح في كل البيوت السودانية، ثمة سؤال رغم اعتياد الناس على قوله بمجرد الوصول إلى أي “دكان” أو بقالة (الحاجة دي بي كم.. أو زادت قدر شنو؟) لكن يبدو أنه ومع ارتفاع الأسعار اليومي فارقت تلك المتلازمة أفواه الناس مع اعتيادهم على ارتفاع مطرد في الأسعار لا تقابله إلا زيادة في تيرمومتر المعاناة في كل البيوت.

الغلاء طال عمال المدن والغبش الذين قال فيهم محمد الحسن سالم حميد (ناس سلعتهم الضراع والعرق اليخر، عمال المدن كلالة الموانئ الغبش التعاني الساكنين بالإيجار) دوامة الأسعار جاءت على هؤلاء العمال والغلابة ممن لا يمتلكون وسائل دخل إضافية تقابل الاحتياجات المتزايدة والأسعار المرتفعة يوماً بعد يوم، يجأرون بالشكوى في كل مكان ولا مجيب، ذات المعاناة تواجه (محمد أحمد) في توفير حق اللبن، والسكر والزيت، وإسطوانة الغاز التي تخطت حاجز (40) جنيهاً، وحق الإيجار بعد أن يفاجئه صاحب البيت بزيادة في القيمة لأنه يواجه ذات حالة الزيادة في الأسواق، ذات الزيادة يواجهها الكمساري في حافلة المواصلات التي تقل الركاب، وتنبئك عن الزيادة المشكلة التي تقع بين الكمساري وأحد الركاب وربما هي ذات الزيادة التي تقع على السائق صاحب الحافلة حينما تضعه الحكومة أمام سياسة الأمر الواقع بزيادة الوقود، حيث لا يجد بداً من زيادة التعرفة لمواجهة احتياجاته، تيرمومتر المعاناة يتحسس قياس واقع الطلاب في الجامعات حينما تفاجئهم قائمة أسعار الكافتريا بزيادة ملحوظة على سعر (الساندويتش) الذي لا يتجاوز في أعلى درجات الرفاهية (الطعمية) أو طلب الفول الذي تخطى حاجز الثمانية جنيهات وقد فارقته الجبنة وبالطبع الزيت بعد ارتفاع أسعاره إلى أكثر من 550 جنيها للعبوة زنة (36) رطلاً، الزيادة المتصاعدة في الأسعار قد لا تكون بعيدة عن سلع كثيرة مثل السكر والخضروات، ويواجه أي مواطن صعوبة حتى في توفير سلع أخرى لم تشهد ارتفاعاً في الأسعار مثل الكهرباء وغيرها من السلع الثابتة في السعر، لكن الميزانية المنزلية أرهقتها سلع أخرى يومية، فتقف عاجزة عن توفير حتى المستقرة في السعر .

بما يشبه التندر عند المواطنين، فقد تداول البعض طرفة أن السوق في السابق كان تدخل إليه بحزمة أموال في جيبك، فتخرج محملاً بالأكياس (وقفة الملاح) تنوء من كثرة ما تحمل، ولكن الآن مع انقلاب الحال، عليك أن تدخل السوق بحزمة أموال في أكياس لتخرج ببعض أشياء لا تتعدى جيبك. ورب الأسرة بعد أن يشتري أشياءه يحتاج لحمال يعينه على نقل ما جاد به السوق، الآن بإمكان ابنه الصغير أن يحمل المشتروات إلى المنزل.

السوق نار!

الأسواق تشهد زيادة يومية في الأسعار. حيث ارتفعت أسعار اللحوم والزيوت وسط قلة المعروض من السلع مع ارتفاع الطلب، وبلغ سعر كيلو الضأن (70) جنيهاً، أما كيلو العجالي فقد اقترب من الستين جنيهاً، ورغم أن سعر جركانة الزيت زنة 36 رطلاً انخفض إلى 480 جنيهاً، فإنها تظل ضعيفة مقارنة مع سعرها في فترة رمضان. حيث بلغت (290) جنيهاً. وشهدت الأسواق ارتفاعاً في أسعار العدس، الأرز والفول المصري إلى 20 جنيهاً، مقارنة بـ(14) جنيهاً، وبلغ سعر جوال الفول المصري (1300) جنيه بعد أن كان (800) جنيه.

أسعار السلع الاستهلاكية تقود المواطن يوماً بعد يوم لإعلان حالة التقشف، وشراء بعض السلع وترك بعضها، وتتبع بعض الأسر في أحايين كثيرة الاكتفاء بشراء جزء يسير من تلك الأشياء الضرورية في عملية اقتصادية توازن بين المصروفات وحجم الدخل الضعيف. (التقشف) تلك العبارة التي تثقب أذني المواطن يومياً بعد أن أعلنتها الحكومة في وقت سابق أنها تبنت سياسة تقشف في مستوى الصرف الحكومي، لكن يبدو أن تصديق تلك الرواية لا يلامس أرضية الواقع على الأقل من منظور المواطن الذي تلحظ عيناه يومياً حالة الصرف الملازمة للحكومة في أنشطتها وتسيير أمور موظفيها دون أن تلقي بالاً للحالة التي يعيش فيها المواطن.

صمت حكومي

وأسعار السلع تشهد ارتفاعاً يومياً، يفاجئهم فيها التجار بزيادات لا قبل لهم بها خلال الفترة التي تجاوزت الشهرين، حالة من الصمت ظلت تطبق على المسؤولين في الحكومة والمعنيين بأمر السياسيات الاقتصادية في البلاد، لا شيء يرتفع في أفق الحلول وسقوفاتها سوى الأسعار التي قاربت الانفلات. مسؤولو الخرطوم من خلف مكاتبهم يمعنون النظر في الواقع والناس مكتوون من الأسعار يومياً، إلى أن خرج وزير المالية من صمته في مؤتمر اقتصادي خلال الأيام الماضية مبشراً الشعب برفع الدعم عن السلع ضمن البرنامج الخماسي الذي تخطط له الحكومة كواحدة من المخارج لأزمة البلاد الاقتصادية، وبعد أن ماج الناس سخطاً على البشريات التي حملها وزير المالية، جاءت التصريحات في يومها التالي تحمل توضيحاً من ولاية الخرطوم أنه لا يوجد قرار مرتقب لرفع الدعم عن السلع والمحروقات في الأشهر المقبلة، وإن ظلت (فزاعة) رفع الدعم تضمر ما لا يحمد عقباه، وبشريات بأن رفع الدعم قادم لا محالة ولا بدائل لدى الحكومة إلا بتنفيذه للخروج من نفق الضائقة الاقتصادية، والتصريحات الحكومية تمضي من مخططي السياسية الاقتصادية وتعلو وتيرتها يومياً. السوق هناك ظل فاغراً فاهه يبتلع يومياً في الجنيه الذي يثبت خسارته أمام العملات الأخرى كل يوم دون السيطرة عليه.

أنصاف الحلول

وتيرة الغلاء المتسارعة لم يجد تجاهها المواطن من يقف بجانبه، ويبث له حتى تطمينات إن لم تكن أفعالاً حقيقية بأن السوق المنفلت يمكن كبح جماحه، ولم يرسل البرلمان حتى ما يبعث إشارات للمواطن بأنه يقف إلى جوار من انتخبوه، فقط هي التصريحات التي يطلقها نواب الشعب بين الحين والآخر. سالم الصافي حجير، رئيس اللجنة الاقتصادية، ربما بوصفه معنياً بالشأن الاقتصادي، كان هو الأكثر حديثاً، لم يتجاوز المطالبات، وأطلق تحذيرات من خطورة تنفيذ قرار رفع الدعم عن السلع، وقال: (إن قرار رفع الدعم عن السلع يزيد الطين بلة)، بينما استعجل الحكومة بضرورة معالجة الانفلات في الأسواق بتوفير سلع مدعومة ومراقبة وذات سعر حقيقي، طالب الحكومة بوضع برنامج إسعافي طارئ وخطة قصيرة الأجل لمدة ستة أشهر أو سنة تُخرج الاقتصاد من مأزق ارتفاع الأسعار ووضع برنامج طوارئ يوقف انفلات السوق ومحاولة وضع ترتيبات بالنسبة للنقد الأجنبي والقضايا التي تواجه ضائقة المعيشة، وطالب بإنشاء غرفة استشعار لبعض المشاكل الاقتصادية في البلاد توضح وتكشف السلع التي تواجه مشاكل أو شحاً لتلافيها قبل وقت كاف، واستعجل الحكومة بضرورة وضع معالجات، وقال: (يجب أن نضع معالجات اقتصادية عاجلة وطارئة تعالج الوضع المنفلت ونشوف السوق الماشي دا نعمل فيهو شنو). وأضاف: (نجلس كلنا خبراء واقتصاديون في الحكومة وبرلمانيون لوضع خطة إسعافية طارئة)، وشدد رئيس اللجنة الاقتصادية على الحكومة بالتدخل لمجابهة السلع التي تواجه زيادات من قبل التجار باستجلاب سلع من مصانعها خاصة الدقيق، الزيوت والجازولين من المصانع والجهات الخاصة بالحكومة وأتبعها الرجل بمطالبة للرئاسة بالتدخل لمعالجة انفلات الأسعار.

ولاية الخرطوم ربما تحركها مخاوف أن تلامس أزمة ارتفاع الأسعار الشارع المتحفز للانفجار جراء الغلاء، في كل يوم يخرج مسؤولوها بحلول إن جاز وصفها، فهي أنصاف حلول، حينما تحدث عن مراكز البيع المخفض.. وكيف أن المواطن يمكن أن يلجأ إليها لتوفير السلع التي يغالي فيها التجار؟، وألحقها بتهديد ووعيد بإغلاق المراكز التي لا تتبع المواصفات، لكن الأخبار تنبئك أن ذات مراكز البيع المخفض التي تنادي ولاية الخرطوم المواطنين بالتوجه إليها وصادق عليها نواب المجلس التشريعي هم أنفسهم من كالوا لها النقد ووصموها بالفشل.

تدخل الرئاسة

قد تصاب بالاستغراب حينما تنبئك الأخبار عن تدخل الرئاسة، فليس للأمر علاقة بآلية الحوار الوطني، المصطلح عليها بـ(7+7) أو الأزمة السياسية في البلاد أو حتى لإطلاق سراح إبراهيم الشيخ، زعيم حزب المؤتمر السوداني، أو حتى لإعلان قرارات تتعلق بتأجيل الانتخابات أو موافقة على مقترحات القوى المعارضة المنضوية للحوار الوطني أو تلك الرافضة، هذه المرة التدخل لتلافي أزمة السوق وارتفاع الأسعار التي قاربت أن تلامس الشهرين والتي يعيش فيها الغلابة كل يوم صنوفاً من المعاناة، خرجت الدولة في قمة هرمها من صمتها بعد أن وقف حسبو محمد عبد الرحمن، نائب رئيس الجمهورية، على مشكلة ارتفاع الأسعار في السلع الأساسية وسبل السيطرة عليها والخطط والبرامج الاقتصادية للولاية التي تهدف إلى زيادة الإنتاج في اجتماع طارئ بمقر حكومة ولاية الخرطوم أمس الأول (الأربعاء)، نائب الرئيس وجه البنك المركزي بتوفير عملات صعبة لمدخلات إنتاج الدواجن ودعم المنتجين وتوفير العملة الصعبة لتنفيذ برنامج الخبز المخلوط والتحرك العاجل لاستيراد لحوم حمراء من مناطق الإنتاج وطرحها في أسواق البيع المخفض وتوجيه الدعم الاتحادي لإنتاج الحبوب الزيتية، ليبقى توجيه النائب أمام محك المركزي وتوفير العملة الصعبة (المتعززة) بعد المبالغة في طلبها مع عدم توفرها لدى المركزي من الأساس.

حقائق وأرقام

لا حل يلوح في الأفق مع سياسات التحرير الاقتصادي التي تتبعها الحكومة منذ 25 عاماً، تلك هي كانت العبارة المفتاحية التي أطلقها محمد إبراهيم كبج، الخبير الاقتصادي، وهو يقرأ مع (اليوم التالي) جذور المشكل مع الوضع الاقتصادي المأزوم والنفق الذي تمر به البلاد، كبج أرجع الأزمة لاتباع سياسة التحرير الاقتصادي في بلد فقير أثبتت التجربة أن مثل تلك السياسة تزيد الفقراء فقراً، واعتبر أن شعار الإنقاد.. نأكل مما نزرع ونلبس مما نصنع، سقطا بلغة الأرقام في تحقيق الأهداف المرجوة، حيث كشف بلغة الأرقام فشل السياسات الاقتصادية المتبعة، وقال إن السودان في العام 1990 عند العشرية الأولى استورد سلعاً زراعية وصناعية بقيمة 720 مليون دولار مع أن الحكومة أعلنت الاكتفاء الذاتي وأنها ستكون سلة غذاء العالم بنهاية 2002 وقال إنه بنهاية الخطة العشرية ارتفع استيراد السودان للسلع إلى (420) مليون دولار، أي ما يعادل 6 أضعاف الذي كان يستورده في الأعوام السابقة، وفي العام 2008 ارتفع استيراد السودان للسلع إلى مليار و333 مليون دولار بما يعادل 19 أضعاف ما كان يستورده في العام 1990، ثم ارتفع الاستيراد 2010 إلى 2 مليار و500 مليون دولار أي ما يعادل 34 ضعف ما كان يستورده في السابق، عندها توقف الرجل وطرح تساؤلاً وقال: أليس مشروعاً أن نسال الحكومة لماذا لم يطبق شعار نأكل مما نزرع ونلبس مما نصنع، مع أن السودان لديه موارد تؤهله لذلك في الزراعة والصناعة، كبج كشف أرقاماً ربما تعرفها الحكومة ولكن لا تريد الخوض فيها حينما قال إن الأزمة الحالية لا يمكن تجاوزها بعد أن كان في الإمكان تخطيها بحلول ممكنة من أموال البترول التي كشف أنها فاقت الـ70) مليار دولار تحصلت عليها الحكومة من التنقيب في النفط. ورأى أنه كان بالإمكان أن توجه للزراعة وتعلية السدود، وأضاف: لكن لا يعلم أحد أين ذهبت وفيم صرفت؟.. محمد إبراهيم ضحك وربما يضحك معه كثيرون على حديث الحكومة برفع الدعم عن المحروقات وبيعه بالسعر العالمي، وقال لا يجوز أن تبيع الحكومة البترول بسعر عالمي وهو حق للشعب، ونبه إلى أن الحكومة اتبعت سياسة اقتصادية فاشلة ولم تحقق الأهداف وأنفقت على توطين القمح وتستورد السلع بدولار مرتفع يصل إلى 7 جنيهات مع أنه في الفترة الماضية كان الدولار يعادل 3 جنيهات، كبج اعتبر أن الوضع الاقتصادي الحالي سيقود إلى الأسوأ خاصة وأن أعداد الفقراء ستكون في زيادة بحسب الإحصائيات الرسمية للأمم المتحدة التي قدرت أن هنالك حوالي 7 ملايين سوداني يعيشون تحت الفقر وأن الوضع من شأنه أن يظهر أمراض سوء التغذية والوفيات للأطفال دون سن الخامسة وغيرها من المشاكل الاقتصادية.

سلمى معروف : صحيفة اليوم التالي
[/JUSTIFY]

شارك الموضوع :

1 التعليقات

      1. 1

        نستاهل لاننا مستكينين وراضين – يا حليل ناس السودان زمان

        الرد

    أضف تعليق

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

    سودافاكس