بدعة إغلاق المطاعم في نهار رمضان !!

* قرأت المقال الجميل الذي نشرته صحيفة (الميدان) الغراء للأستاذ والقانوني والمحامي الضليع (كمال الجزولي) عن تكوين لجنة برئاسة مولانا (دفع الله الحاج يوسف)، رئيس القضاء الأسبق لاعادة النظر في قانون النظام العام لعام 1996 (تعديل عام 2004 )، الذي ارتبط في أذهان الناس بانتهاك حقوق النساء ومطاردتهن بتهمة إرتداء زي فاضح، واعتقالهن واقتيادهن الى أقسام شرطة النظام العام ومحاكم النظام العام ومعاقبتهن بالجلد ..إلخ!!

* ولقد أوضح الاستاذ الجليل بطريقة مهنية وادبية رفيعة مساوئ القانون وانحياز مناصري السلطة له بزعم إستيقائه من الدين الاسلامي، وهو ليس كذلك!!
وأجد نفسي متفقاً مع كل ما أورده الاستاذ في مقاله الرائع، وإن كان هنالك ما يضاف فهو الاشارة الى القانون الجنائي (لعام 1991) الذي يحتوى ضمن مواده على المادة (152- 1 )، وهي السبب الرئيسي الذي يتيح لمنفذي القانون (شرطة النظام العام) ارتكاب جريرة مطاردة النساء، أو من يتزيا بزي فاضح (لم يحدد القانون أوصافه أو ملامحه)، إذ تنص على أن (كل من يأتي في مكان عام فعلا أو سلوكاً فاضحاً، أو مخلاً بالآداب العامة، أو يتزيا بزي فاضح أو مخل بالآداب العامة يسبب مضايقة للشعور العام، يُعاقب بالجلد بما لا يجاوز أربعين جلدة، أو بالغرامة أو بالعقوبتين معاً)، إلا أن توكيل شرطة النظام العام بتنفيذ هذه المادة من القانون، رسخ في اذهان البعض أن (قانون النظام العام) هو المسؤول عن مطاردة وانتهاك حقوق النساء وكرامتهن، وليس القانون الجنائي العام الذي يجب علينا مكافحته والمطالبة بتعديله، وحماية النساء من شره، بالاضافة الى مكافحة قانون النظام العام لما يحتوى عليه من سوء وتمييز واهانة للمرأة السودانية!!

* ومن ضمن ما يحتوى عليه هذا القانون السيئ (النظام العام)، المادة ( 7 – 2) على سبيل المثال، التي تعطي السلطة لقوات شرطة النظام العام بالتدخل لمنع الرقص المختلط، أو رقص النساء أمام الرجال في أي حفل غنائي (مناسبة زواج مثلاً)، مما يعد انتهاكاً واضحاً للخصوصية، وتدخلاً في حياة الناس وحرياتهم الشخصية، خاصة أن القانون لم يحدد موقع الحفل الذي يُسمح فيه لقوات الشرطة بالتدخل، وهو ما يعني أن الشرطة يمكن أن تتدخل حتى لو كان الحفل مقاماً في منزل، أو صيوان، أو في صالة، ورغم أن ذلك لا يحدث عادة إلا في حدود ضيقة، إلا أن النص القانوني يعطي الشرطة الحق في التدخل وانتهاك الحريات الشخصية للأسر والأفراد، ولقد حدثت تدخلات كثيرة في السابق، ووقعت الكثير من الصدامات بين الشرطة والأهالي كان لها وقع سيء في النفوس، ولا يُستبعد أن تقع في أي وقت ما دامت النصوص لا تزال موجودة مما يحتم التدخل لتعديلها وحماية خصوصيات الناس وحرياتهم الشخصية التي هي شأن مقدس لا يجوز انتهاكه أو الانتقاص منه، فضلاً عن تفادي الاحتكاكات والصدامات بين الشرطة والمواطنين!

* مثال آخر هو حظر فتح محلات بيع الطعام والشراب في نهار رمضان (المادة 24 )، وهو تعسف غير مبرر، إذ أن هنالك الكثير من الفئات االمستثناة من الصوم حسب النصوص القرآنية، وللرسول (صلى الله عليه وسلم) حديث شريف يحث فيه أصحاب الأعذار على استخدام الرخصة الممنوحة لهم للافطار في نهار رمضان، وهو (إن الله يحب أن تؤتى رخصه، كما تؤتى عزائمه)، فهل نفتئت على الله تعالى ورسوله الكريم، أم أننا أحرص من الله سبحانه وتعالى على أداء العبادات التي فرضها علينا، فضلاً عن وجود غير المسلمين في المجتمع؟!

* أمر آخر لا بد أن تضعه اللجنة التي كونتها وزارة العدل في الحسبان، فلقد وقع في يدي منشور من قيادة شرطة النظام العام (أمن المجتمع) قبل عدة أعوام (ما زلت محتفظاً به) صادر لأفراد الشرطة، معنون تحت اسم (ضوابط للزي الشرعي) يحدد فيه مدير الشرطة مواصفات الزي المحتشم، والزي غير المحتشم، معطياً لنفسه سلطة ليست من اختصاصه، وهي سلطة تفسير القوانين وتَحوُلِه الى مشرِّع، يحدد مواصفات الزي الشرعي، وهي السلطة التي امتنع مشرِّع القانون نفسه من استخدامها، فكيف يتحول رجل شرطة الى مشرِّع ومفسر للقوانين، ثم منفذ لها، ثم الى قاضٍ، باعتبار أن الشرطة أعطت لنفسها حق العفو عن (المتهمات)، شريطة أن يوقعن على تعهد بعدم العودة الى ارتكاب المخالفة مرة أخرى وهو عمل من صميم أعمال القضاء .. بالله عليكم هل رأيتم في أي بلد آخر شرطة تمارس العمل التشريعي والتنفيذي والقضائي مثل شرطة النظام العام في بلادنا؟!

* هذا غيض من فيض لا بد أن تضعه في اعتبارها لجنة مراجعة القانون في وزارة العدل، ولا بد أن يشمل التعديل المادة (151 ) المخزية في القانون الجنائي العام، التي أهين بسببها الكثير من النساء والفتيات، وانتهكت حقوقهن، ومرغت كرامتهن في التراب، بدون جريرة أو ذنب!!

مناظير – زهير السراج
صحيفة الجريدة

Exit mobile version