كوش نيوز .. أخبار السودان بين يديك

مهددة بالخطر.. كيف نحافظ على ذاكرتنا قبل أن تلتهمها التكنولوجيا؟



شارك الموضوع :

هل تذكر أرقام هواتف أصدقائك وأقاربك؟ ربما تحفظ أرقاما معدودة، لكن شيئا فشيئا تتضاءل احتياجاتنا إلى حفظ الأرقام والمعلومات،

وتدور الأحاديث عن أن ذاكرتنا لم تعد تعمل مثل الماضي، في القرن الخامس عشر قبل الميلاد كان سقراط يخشى أن يؤثّر اختراع الكتابة على الذاكرة البشرية ويؤدي إلى ضعفها، لكن الواقع أن هذا لم يحدث، فعلى العكس من مخاوفه طوّر العقل البشري قدراته إزاء السطور المكتوبة، حيث أصبحنا قادرين على التعرف بشكل فوري على الحروف وربطها بالمناطق الصوتية واللغوية، بحيث نضع الكلمات التي نقرأها في جمل وقصص ورؤية كاملة للعالم من حولنا. نعم، قد لا تحتفظ أذهاننا بالحكاية لكننا نحتفظ بالقدرة على تحليلها ومقارنتها بالحكايات الأخرى.

نعيش اليوم مخاوف مماثلة لتلك التي عاشها سقراط، مع التطور الرقمي الذي يتيح لنا استعادة المعلومات فورا، والوصول إلى كل ما نود البحث عنه عبر شبكة الإنترنت، فهل حقا ستفقد الذاكرة البشرية قدراتها؟ وما الذي يمكننا فعله لنحافظ على ذاكرتنا؟ (1)

الهاتف هو الذاكرة

تقول ماريا فيبر، الباحثة في جامعة برمنجهام حول “العادات المتعلقة بالذاكرة”، إن دراسة سلوك أكثر من 6000 شخص من المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا وبلجيكا وهولندا ولوكسمبورج، كشفت أن أكثر من ثلث المشاركين استخدموا الهاتف أو الحاسوب لتذكّر بعض المعلومات، وفي مقدمتهم مواطنو المملكة المتحدة الذين لجأ أكثر من نصفهم إلى الإنترنت للإجابة عن الأسئلة، واستطاع 45٪ منهم تذكر رقم هاتفهم المنزلي حين كانوا في العاشرة، بينما يتذكر فقط 29٪ منهم أرقام هواتف أطفالهم و43٪ يمكنهم تذكّر رقم هاتف العمل.(2) – (3)

وهي تؤكّد أن لهذا تأثيرا طويل الأجل على الذاكرة، وتضيف: “يبدو أن دماغنا يعزز تذكر المعلومات في كل مرة نستدعيها، بينما ننسى في الوقت نفسه ما لا نحتاج إليه لكي لا يشتت انتباهنا”، تؤكد الباحثة أن هذا التكرار في استرجاع المعلومات بين الحين والآخر هو الطريقة الفعالة لترسيخها في الذاكرة الدائمة، بينما على العكس من ذلك، تكرار المعلومات بشكل سلبي مثل البحث على الإنترنت أو الهاتف يمنع ترميزها في عقولنا وتراكمها في الذاكرة طويلة الأجل.

في تجربة أُجريت على عدد من السائقين لقيادة سيارات الأجرة السوداء الشهيرة في لندن، طُلب منهم للحصول على رخصة العمل أن يدرسوا جيدا ما يقرب من 25 ألف شارع، استغرق الأمر عامين وربما أكثر لدى بعضهم، ولم يتجاوز الامتحان بسبب صعوبته[1] . وفي دراسة أجرتها جامعة لندن عام 2006 قارنت بين أدمغة هؤلاء وأدمغة غيرهم من السائقين الآخرين تبيّن أن سائقي سيارات الأجرة السوداء أكثر نشاطا وأن هناك زيادة في المادة الرمادية الموجودة في منطقة الحصين وهي المسؤولة عن تخزين المعلومات وتنظيمها في مناطق المخ الأخرى لتخزينها على المدى الطويل ومن ثم استدعائها عند الحاجة.(4)

هل سيساعدنا غوغل في الاختبارات؟

لعلّنا نتذكر الجدل حول إمكانية استخدام الآلة الحاسبة في امتحان ما، أو السماح باستخدام القاموس، فهل سيكون بوسعنا قريبا أن نستخدم محركات البحث في الامتحانات؟ تُثير هذه الأسئلة خوفا من انخفاض مستوى التعليم، لكن هذا يمكن أن يتوقف على الحد الفاصل بين المعرفة والفهم، وبين الحصول على المعلومات ومعالجتها.

السؤال هذه المرة مختلف، فليس الأمر أننا سنتيح للطلاب التجول في مكتبة ضخمة قد يجدون فيها ما يبحثون عنه وقد لا يسعفهم الوقت؛ هنا ستكون المعلومات أمامهم بضغطة زر، وإزاء هذا يزداد بحث العلماء عن التغيير الذي يحدث للدماغ البشري، وقدر مرونته، والتغير الذي يطرأ على بنيته الفيزيائية جراء توفر هذا الكم من المعلومات بحيث لم تعد هناك أهمية لشغل الذاكرة بها.

يقول مارك داوي، مدير لجنة فحص الاختبارات في كامبريدج وأكسفورد والجمعية الملكية للفنون في المملكة المتحدة، إن هناك ما هو أكثر أهمية من معرفة ما يتعلق بالذاكرة، إذًا يجب في هذه الحالة أن يشمل الاختبار ما هو أكبر من اختبار القدرة على التذكّر، بحيث يشمل قياس القدرة على فهم المعلومات وتحليلها واختيار المصادر المناسبة وتطبيق هذه المعلومات بالشكل المناسب.(4)

في انتظار دراسات مستقبلية مثيرة

يخبرنا علماء الأعصاب أن الدماغ يتخلّى عن قدرته على القيام بالأنشطة العصبية حين لا نكررها باستمرار، فلا تعود هناك أهمية لوجودها، تقول ألبا إيبانيث ماركيث، المتخصصة في علم الأعصاب بجامعة ريوخا في إسبانيا، إن الدماغ يشبه وحدة المعالجة المركزية في الحاسوب؛ إذا تم تخزين العديد من الملفات دون إلغاء أو نسيان أخرى فقد ينهار الجهاز، وهنا تكمن ضرورة النسيان الذي يقوم به الدماغ تلقائيا مع المعلومات التي لا نحتاج إليها أو نستدعيها باستمرار.(5)

وهذا ما تؤكّده دراسة أجرتها شركة “كاسبرسكي لاب” المتخصصة في الأمن الإلكتروني، إذ تشير إلى أن الناس اعتادوا استخدام الهاتف وأجهزة الحاسوب وكأنها “امتداد” لدماغهم، بحيث انتشر ما يُطلق عليه “فقدان الذاكرة الرقمي” الذي يعني الاستعداد لنسيان معلومات مهمة اعتقادا بأن استرجاعها على الفور ممكن بالاستعانة بجهاز رقمي.(3)

اعتمدت الدراسة على التكنولوجيا في جانبين، أحدهما تسجيل المعلومات والأرقام المتعلقة بنا، مثل أرقام الهواتف وتواريخ أعياد الميلاد الخاصة بالأقارب والأصدقاء التي يذكّرنا بها الهاتف بمجرد ضبطه لنقوم بتهنئتهم في صورة آلية، أما الجانب الآخر فهو الاعتماد على غوغل في الحصول على المعلومات العامة بدلا من التفكير أو محاولة التذكّر، أشار ثلث الأوروبيين الذين شاركوا في الدراسة إلى أنهم يلجأون إلى غوغل لحسم الجدل في المناقشات التي يدخلون فيها، وأشار أغلبهم إلى أنهم ينسون سريعا المعلومات التي حصلوا عليها من الإنترنت.

وأشارت الدراسة إلى امتداد الذاكرة الرقمية، ليس فقط للمعلومات وإنما أيضا للحفاظ على الذكريات الشخصية في شكل رقمي. حيث أصبحت لحظاتنا المهمة مخزنة على الهاتف الذكي رغم خطر فقدانها في حالة فقد الجهاز أو سرقته، وهو ما يعتبر محل قلق الكثيرين من الذين شاركوا في الدراسة خاصة النساء، حيث إن سهولة التقاط الصور ألقى بأثره على قدرتنا في الاحتفاظ بذاكرة بصرية لتجاربنا.(6)

تقول إيما وورد، المتخصصة في علم النفس بجامعة مدلسكس في لندن، إن الإنترنت لم يكن جزءا لا يتجزأ من حياتنا لفترة كافية لأن يفهم العلماء قدر تأثيرها على المدى الطويل على أدمغتنا، وتضيف: “هناك شواهد تؤكد أهمية تدريب الذاكرة وفائدته، الفكرة الأساسية تتلخص في الممارسة والتدريب بحيث يتم تقوية المسارات العصبية”.

وتضيف: “هناك من يؤكد أن اعتمادنا على التكنولوجيا يجعل الذاكرة أقل كفاءة. وسيكون من المثير للاهتمام أن نختبر في السنوات القادمة قدرات الأطفال الذين نشأوا مع مثل هذه التكنولوجيا المتاحة، لمعرفة تأثيرها على الذاكرة والإدراك”.(7)

قبل أن تضمر.. كيف نحافظ على الذاكرة؟

لن نستطيع التخلي عما تقدّمه لنا التكنولوجيا، لكن هناك بعض الوسائل والعادات التي يمكننا من خلالها الحفاظ على ذاكرة نشطة لا تتعلق كلها بالتكنولوجيا، حيث يربط العلماء بين الذاكرة الجيدة وعوامل أخرى متعددة مثل السن والنشاط الذهني وجودة النوم والنظام الغذائي، وهذه هي بعض العادات:

ممارسة الرياضة الخفيفة

توصلت دراسة حديثة أجراها علماء في جامعة كاليفورنيا إلى أن 10 دقائق فقط من النشاط البدني الخفيف يكفي لتعزيز التواصل مع الدماغ ومساعدة الدماغ على التمييز بين الذكريات المتشابهة. وقد لاحظ العلماء زيادة نشاط الدماغ والاتصال بين الأجزاء المسؤولة عن تكوين الذاكرة بعد فترة قصيرة من التمارين الخفيفة مثل المشي البطيء واليوغا.(7)

قسط مناسب من النوم

لقد عاش أجدادنا هكذا، ينالون قسطا مناسبا من النوم في مواعيد محددة، وخلال النوم يتباطأ نشاط الخلايا العصبية المسؤولة عن النسيان مما يساعد في تشكيل ذكرياتنا بشكل أفضل، وقد لاحظ العلماء في تجربة أجراها لانس كريجسفيلد، أستاذ علم النفس بجامعة كاليفورنيا، على الهامستر للوقوف على تأثير تأخير النوم على الدماغ، وكشفت التجربة معاناة الحيوانات التي عانت من عدم انتظام النوم من نقص في الانتباه، ولم تعد الدماغ لطبيعتها حتى بعد مرور شهر على عودتها للنظام الطبيعي.

كما كشفت التجربة عن وجود نصف الخلايا العصبية لدى هذه الحيوانات مقارنة بالأخرى التي لم تتعرض للتجربة، وهو ما يعني أن العديد من الخلايا الجديدة لم تقم بعملها بشكل طبيعي أو أنها ماتت قبل الأوان.(8)

استمتع بفيسبوك ولكن أوقف الإشعارات

مواكبة التكنولوجيا أمر حيوي يصعب الاستغناء عنه ليبقى دماغنا نشطا، ولكن علماء الأعصاب ينصحون بالتخلي عنها أحيانا والقيام ببعض التمارين البسيطة لاختبار ذاكرتنا وتنشيطها؛ حين تقف في إشارة المرور حاول أن تتذكر الاتجاهات والشوارع مثلا. كما ينصح العلماء بأن نُبقي عقولنا في حالة تعلم متواصل؛ لغة أو مهارة جديدة، وبناء علاقات اجتماعية جديدة القراءة والسفر بحيث تزداد الروابط بين الخلايا العصبية بشكل مستمر وهو ما يحفظ الذاكرة.(8)

غيّر عاداتك

اعتيادنا على الأمور نفسها يؤدي بالعقل إلى حالة من السكون يتجه معها سريعا نحو الشيخوخة، ويقوم بمحو بعض الذكريات والتجارب والتشابكات بين الخلايا العصبية التي لم نعد في حاجة إليها، لكن تغيير بعض العادات حتى لو كان ذلك باتخاذ طريق مختلفة إلى العمل أو تغيير ترتيب الأشياء في المنزل يحفز الدماغ ويزيد نشاطها.

كما أن اتباع نظام غذائي يتضمن مضادات الأكسدة مثل زيت الزيتون والسمك والمكسرات والفواكه والخضروات والحبوب يعتبر خيارا مثاليا، وعلى العكس فإن التبغ والأطعمة الدهنية وتناول بعض الأدوية لفترة طويلة “تسرق” الذاكرة.(9)

ابتعد عن القلق والتوتر

في المستويات العالية من التوتر يفرز الجسم كميات من الكورتيزول والأدرينالين والنورادرينالين التي تنتشر في جميع أنحائه، وهذه الهرمونات تؤثر سلبا على الذاكرة، فحالة القلق تجعل من الصعب على الدماغ توليد ذكريات جديدة، إذ يكون في حالة من التركيز على كيفية التصدي للخطر الوشيك المحتمل، كما أشارت الدراسات أيضا إلى أن الإجهاد المزمن قد يتسبب في فقدان الذاكرة. لذا يُنصح باتباع نظام غذائي صحي واللجوء إلى تقنيات الاسترخاء والتدليك أو تأمل الطبيعة للحدّ من القلق.(9)

الجزيزة

شارك الموضوع :

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.