رأي ومقالات

غازي صلاح الدين العتباني: في سيرة عثمان خالد مضوي


بِسْم الله الرحمن الرحيم
في سيرة عثمان خالد مضوي
سألتني بني: مالي أراك تكتّم دمعا وتغالب لوعةً حتى اسودت وجنتاك؟
بنيي! أرأيت إذ مات أبوك الذي ما كنت تفارقه ولا يفارقك وأنت في الثانية عشرة من عمرك، بين الطفولة والرجولة، أحوج ما تكون لصحبته؛ أرأيت وقد ازدحم عليكم المعزّون فألهوكم عن المصيبة، ثم أرأيت بني إذ انفض الجمع وذهب حتى الأقربين يبحث كل واحد عن مأوى وبقيت أنت والليل البهيم وحدكما، لا صوت غير صفير صرصور ينادي رفيقته، وأنين ساقية تنوح من بعيد، ودوي خلائق تمتطي السحاب وأزيز كائنات لا يدرك كنهها إلا الصالحون أصحاب الليل.
أرأيت بني إذ دخلت الغرفة القديمة…الغرفة التي صحبت أباك وصحبها ستين عاما، وقد تدلى من سقفها مصباح كهربائي وحيد كادت تحجب ضوءه طبقة من الغبار المعتق، ذلك المصباح الذي أرهقته الوحشة فكان يأنس بأبيك ويهش له ويمنحه ضعف ما يمنح الآخرين من الضوء، الغرفة القديمة بأبوابها ونوافذها الخشبية بلا زجاج ولا أبهة غير طلاء قديم قد بهت وخارت قواه وهو يصارع الطبيعة.
أرأيت بني، وقد أنستك صحبة المعزين المصيبة، ثم دخلت الغرفة القديمة فضجّ مصباحها وبابها وشبّاكيها وطلاؤها بالبكاء، وكادوا لو استطاعوا أن يترجلوا ليعانقوك ويتشمموا عرقك الذي يذكرهم بأبيك،
أرأيت بني إذ ارتفع بصرك في تلك اللحظة فرأيت رف الصور المعلق في الحائط المقابل للباب وفيه صورة باهتة قديمة لجدك، وأخرى لأبيك في شرخ الشباب، وثالثة لعصبة من أقران أبيك، ورابعة وخامسة تؤرخ للأسرة.
أرأيت بني إذ انتبهت فرأيت جلباب أبيك معلقا بالمسمار القديم الذي يسمونه خمسة بوصة، ورأيت عمامة أبيك المطوية بعناية وقد وضعت فوق شنطة الحديد.
أرأيت إذ أدركتك المصيبة فجأة وأدركتها، ناشتك الحقيقة بسهامها الحداد، فأخذت تجري من حائط لحائط، وتلتقف جلباب أبيك وتضمه وتفتش بداخله، ثم تأخذ عمامته المطوية بعناية فتشمها وتتنشقها فتجد فيها رائحة عرق أبيك حين كان يضمك إلى جانبه وهو راقد ويقص عليك من مغامرات الشباب وقصص الفروسية ما يملأ جوانحك بالفخر والاعتزاز.
أرأيت، يا بني، إذ خارت قواك وسكنت جوارحك ولم يبق الحزن منك شيئا ينبض أو يتحرك إلا جفنك الذي يطرف الآن متثاقلا ثم يتوقف ويغمض على حزن عميق وأصوات تصدرها الأشياء حولك، لا يسمعها غيرك.
سألتني بنّي عن تكتمي وتولهي، فهاهو ذا: موت الأحبة، وانقطاع أسباب الوصال، وتكسر النصال على النصال.
أي بني:
موت عثمان خالد قهرني وذكرني ألم اليتم المنقوع، ولو استطعت أن اتنشق جلبابه وعمامته لأنتقل عبر محطات الزمن إلى حيث درج ومشى ووضع هو وأبناء جيله أول مدماك في صرح الحركة الإسلامية. الحركة العتيقة ذات العبق الخاص، ذات الرموز والنداءات، التي ينتسب إليها هو وجيله والذين لم يبق منهم إلا قدر ما يبقى للمحتضر من الرمق.
كان من طينة خاصة، لم أر مثله شجاعة، واستهتارا بحياته عندما يسمع نداء الحرب والقتال (القتال بالمعنيين الحرفي والمجازي). كانت له صولات وجولات مع الخصوم من كل صنف، لكن ذلك لم يكن يمنعه من أن يخالطهم ويراحمهم صباح اليوم التالي، لم أر مثله عفوّا مسامحا لا يبيت وفِي صدره ضغينة على أحد.
ذات مرة حكى لي قصة تلخص طبيعته الوثابة وحبه للمغامرة. قال لي عندما كنّا في المدرسة الثانوية، قرأنا قصة روبنسون كروزو المشهورة التي تحكي عن رحالة مغامر تحطمت السفينة التي كان يركبها ومات كل من فيها عداه، وبقي البحار ليحكي قصته الشيقة وهو مستوحش في الجزيرة. قال عثمان إنه انفعل بالقصة جداً لدرجة أنه اتفق مع زميلين له لمغادرة البلاد عبر البحر الأحمر أثناء الإجازة والبحث عن جزيرة يسكنونها على طريقة روبنسون كروزو، وبالفعل جرى الأمر على ما خطط له، ولكن المغامرة أجهضت في بورتسودان، التي وصلها المغامرون الثلاثة وهم لا يعرفون شرقها من غربها، وتلك كانت نهاية التخطيط -إن جاز أن نسمي ذلك تخطيطاً. المهم، يبدو أن بعض صبيان الأسرة وشوا بهم فانطلقت النجدة من الخرطوم والعيلفون إلى بورتسودان وبالعكس حتى أعيد الثلاثة إلى منازلهم.
قصص عثمان لا تنتهي ومن أشهرها قصته مع المرحوم أبو رنات، رئيس القضاء آنذاك، في شأن القضية المرفوعة ضد المرحوم الوزير ميرغني حمزة، وقد حكاها لي عثمان بنفسه. كان عثمان قد عُين قاضياً من الدرجة الثالثة لأول تخرجه من جامعة الخرطوم، وكانت هناك قضية مرفوعة تستدعي السماع والشهادة من الوزير ميرغني حمزة وإذا بعثمان خالد، القاضي المستجد في الدرجة الثالثة، يرسل الاستدعاء تلو الاستدعاء للوزير والقطب السياسي الكبير ميرغني حمزة. ويبدو أنه عندما خرج الأمر عن طوره وضاق الوزير بهذه الطريقة تحدث هو أو رئيس الوزراء مع المرحوم أبو رنات، الذي استدعى بدوره عثمان خالد وقال له بلهجة رفيقة: شوف يا ابني عثمان، انت عندك الحق تستدعي وزير في أي قضية حسب ما تقدّر أنا ما حأمنعك، لكن يا ابني ناس مجلس الوزراء ديل لازم نعمل ليهم ترتيبات خاصة لما نكون عايزين نستدعي وزير، يعني هي حصانة إجرائية مش موضوعية، عشان ما كل واحد يمشي يفتح بلاغات في الوزراء وطلبات استدعاء صباح مساء يمنع الوزراء الشغل ويضر بالمصالح العامة، وهنا انتهت المشكلة والخلفية تصدح بموسيقى ملحمية تعبر عن جلال الحدث وعظمة الرجال، رحمهم الله جميعاً.
كان عثمان مثقفا حراً مطّلعا على الثقافات الأخرى، من القليلين الذين وجدتهم يحسنون اللغتين العربية والإنجليزية قراءة وكتابة، ذكيا، فهّامة، إذا انتدبته لمهمة لا تكرر له الوصية فهذا مما يغضبه، موهوب سريع القراءة إذا أعطيته عشرين صفحة مكتوبة بإنجليزية صعبة التهمها وفهمها في بضع دقائق. كان كذلك أديباً حفاظا للنصوص الشعرية والنثرية، يتلو عليك ما أمسكت به حافظته القوية من كلمات: يقرأ لك من شكسبير، فيعرج على المتنبي، ثم يلقي بصوت فخيم خطبة “جيتسبيرج” لإبراهام لنكولن وهي الخطبة التي ألقاها فور انتصار جيش اليانكي على جيش الكونفدرالية الجنوبي وتحدد مستقبل أمريكا بتلك المعركة، وقد ألقى لنكولن خطبته المهيبة والدماء ما زالت دافئة وجثث القتلى وأشلاء الجرحى ترسم لوحة قاتمة فوق المكان.
بعد تخرجه مباشرة، وربما بعد أن ترك مهنة القضاء، ذهب عثمان إلى سويسرا واتصل بسعيد رمضان الداعية المعروف وصهر الإمام حسن البناء، وبقي معهم قرابة العام، وقد زار سعيد رمضان السودان من بعد ذلك زيارة مشهورة.
لا أدري إن كان عثمان ضمن الإخوان الذين تطوعوا للقتال مع المقاومة الفلسطينية في الأراضي المحتلة أم لا، لكن في تلك الفترة كانت أقدار الله تعد لمشهد جديد، فقد انطلقت الثورة في شعبان/أغسطس ١٩٧٣ ضد الحكم القائم وتكونت إثر ذلك الجبهة الوطنية التي كان أكثر عطائها يقوم به الكوادر النشطاء بالداخل، لكن الذي اشتهر عنها هو أنها كانت تعمل من الخارج وذلك لأنها من ثلاث كيانات معلومة هي: حزب الأمة، يمثله الصادق المهدي الذي هو رئيس الجبهة في ذات الوقت، والشريف حسين الهندي ممثلا للاتحاديين، وعثمان خالد مضوي ممثلا للإخوان المسلمين. وقد نشط هؤلاء في العمل الخارجي عندما انسدت في وجوههم أبواب الحرية بالداخل.
أكبر حدث نتج عن تكوين الجبهة كانت حادثة ١٩٧٦ المشهورة والتي ولد من رحمها المكتب الخاص بالإعداد العسكري بالحركة الإسلامية، والذي لخص دوره في أنه درقة وليس سيفا، أي أنه لا يبادر بفعل أو عدوان ولكنه يرد العدوان إذا وقع. وفِي تلك الفترة، ونسبة لأن القيادة بالداخل كانت رهن الاعتقال، توسع الدور الذي قام به من هم بالخارج. ومن أقطاب تلك الفترة بلا منازع الأستاذ أحمد عبد الرحمن محمد، الذي كان مرابطاً وحده في دعم المعارضة من خلال عمله في جامعة الملك عبد العزيز بجدة، وكانت الدولة السعودية، خاصة في عهد المغفور له الملك فيصل، تتفهم حاجات المعارضة السودانية، فلم تكن تساعدها لكنها كانت تتغاضى عن بعض أنشطتها، وكان كلا الطرفين راضياً بتلك المعادلة، وهنا تجلى دور أحمد عبد الرحمن فقد كان السياسي البارع الذي قاد سفينة المعارضة بدراية إلى أن تحققت المصالحة. هناك أسماء أخرى كثيرة من رجال الأحزاب برزوا بعطائهم، عسى أن تتاح الفرصة للحديث عنهم، لان الوقت ومساحة الكلام لا تسمح بتناول عطائهم الآن.
لم يطل الدهر كثيرا على تلك الحال فقد سعى أهل الخير والمروءة في حقن الدماء والمصالحة، وهو العرف الراسخ في تقاليد السودانيين، وفِي مقدمة الذين نشطوا في جهود المصالحة المرحوم فتح الرحمن البشير، ولا ننسى أن نثبت هنا إحقاقا للحق أن النميري نفسه كان صادقا في توجهه نحو المصالحة، ولولا ذلك ما تقدمت الجهود شبرا، صحيح أنه كانت له رؤيته الخاصة للمصالحة، لكن الآخرين أيضاً كانت لهم نظرتهم الخاصة للمصالحة.
الذي حدث بعد ذلك كان مدهشاً لنا حقاً لأن عثمان، وقد كان في تلك اللحظة في قمة هرمه السياسي، قرر أن يعتزل السياسة لاعتراضه على الطريقة التي تمت بها المصالحة، ولعله كان هنا أقرب إلى موقف الشريف حسين الذي بدأ متشككاً في مواقف الصادق المهدي ونواياه. في فترة المصالحة (١٩٧٧-١٩٨٥) كان ارتباط عثمان بالعمل السياسي محدوداً لأنه قرر أن يدخل عالم البيزنس، ولم يمض وقت طويل ليدرك الناس خطأ تقديراته، وأن مكانه الطبيعي هو السياسة. لكنه أصرّ على موقفه.
بزوال عهد مايو ومجيء ما يعرف بالديمقراطية الثالثة انفتح الباب من جديد لعودة عثمان إلى السياسة، ولم يدخر هو وسعاً ولا وقتاً من أجل ذلك وقام بإجراء تسخينات سريعة تؤهله لدخول الميدان الذي يعرفه ويأنس به. صار فوز عثمان عن دائرة البراري، تخطيطاً وإعدادًا وتنفيذًا أيقونة للعمل السياسي المتقن. ويكاد يجمع مؤرخو الحركة الإسلامية على أن انتخاب ٥٢ نائباً نواباً في الجمعية التأسيسية هو من أعظم وأشرف انتصارات الحركة الإسلامية حتى اليوم.
بعد الإنقاذ انزوى عثمان إلا أن تضطره المناسبات إلى حضور الواجبات الاجتماعية، أو ربما يذهب إلى منزل شيخ حسن الترابي (الذي يناديه بحسن فقط) ليتآنسا ثم يتعشيا عشاءً خفيفة ثم ليناكف عثمان شيخ حسن ويغضب شيخ حسن حتى ينبض العرق في جبينه، ثم يفترقا وعثمان أحب الناس إلى قلبه، أما عثمان فلا يصحبه غضبه شبراً واحدا، وينام تلك الليلة متحرراً من ضغائنه، عفواً عمن ظلمه أو أساء إليه.
أي بني: هل فقهت ما أقول؟ هل وعيت ما أقصد؟
أي بني: إذا منحك الله نعمة الصحبة فلا تكفرها!
أي بني: عد إلى غرفة أبيك القديمة، وتنشّق جلبابه وعمامته عسى أن يفتح الله لك فتحاً، وعليك بدعاء الليل فإنني أرى في وجهك وضاءة الصالحين، وعفر وجهك برمضاء الذل وادع لمن سلف…..ولا تنسنا بني….لا تنسنا!
غازي صلاح الدين العتباني
الخميس ١١ يونيو ٢٠٢٠



تعليق واحد

  1. وماذا فعلتم بعد كل ذلك؟ الأعمال بخواتيمها وقد أوردتم البلاد والعباد مورد الهلاك. تمجيد أجوف وبكاء على أطلال و “أشواق – حد تعبيركم الممجوجة” وأوهام لن تعود أبداً. رحم الله من مات ونسأل الله ألا يرفع راية لمن تبقى منكم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *