هوامش جمعة الغضب : قراءات ووقفات
لأول مرة يتردد الحرص على الإسلام في خطاب الحكومة.
بروز تكتل سياسي جديد وقيادات جديدة.
على المكون العسكري التوقف عن محاولة إقصاء (الإسلام السياسي) والتركيز على انتقال سلس.
توقعات بموقف ما من (قحت) ولكنه سيكون (مؤقتا).
(1)
الجمعة ١٧ يوليو ٢٠٢٠م، تعتبر اول لحظة توازن في الواقع السياسي السوداني – حسب رأي – منذ ١١ أبريل ٢٠١٩م، وهى محطة لها ما بعدها في المواقف السياسية، وبناء التحالفات، ومن الواضح أن القوى السياسية الحاكمة الآن كانت تتجاهل بشكل كامل ردة الفعل الشعبي، وذلك إستنادا إلى قناعة خاصة بأن غالب الشارع معها، أو على الأقل أنها تسيطر على مفاصل حراكه وتدافعه وإدارته، وممارسة الضغط على المكون العسكري كلما اقتضت الضرورة .
وأبرز مشاهدات الموكب يمكن الإشارة لها بعجالة، وأولها : الإرادة والعزم، فرغما عن إغلاق كل الكباري والجسور، والتشديد الأمني والإعتقالات وإغلاق بعض المساجد، فإن الجموع حضرت بكثافة وبإصرار عنيد، كما أن التعبير اتسم بالحرارة وعلو همة ، وهذا دليل على عمق الدافعية وقناعة الخروج واسبابها.
أما الإشارة الثانية، سمة الشمول والسعة في المشاركة، فقد اجتمعت أجيال شتى، تلحظ الشيوخ والشباب والأطفال، وكل قطاعات المجتمع وفعالياته، والسعة في عدة ولايات ولم تكن المشاركة محصورة في الخرطوم، بل في كسلا ولايات دارفور والنيل الأبيض وكردفان والنيل الأزرق والشمالية ونهر النيل، فهناك طيف واسع.
وثالثا: تجاوز الإسقاطات السياسية، والتحيزات الحزبية، تيارات إسلامية شتى، وبرزت أدوار الطرق الصوفية وتيارات سلفية ورموز مستقلة، وأغلب القيادات الجديدة لم تكن في الواجهة أي لا يمكن القول أنها (من النظام السابق)، وحتي الهتافات والمخاطبات نجد فيها هذا التعبير العفوي الطلق والشفيف.
ورابعا: أشعر بقلة حيلة الحكومة الإنتقالية، فهي بالتأكيد لم تقرأ جيدا الساحة السياسية والإجتماعية وحالة الإحتقان وتراكم المواقف، والظن عندي ان هذا الموكب ليس نتاجا لهذه التعديلات القانونية فحسب، بل هو حصائد كل (الهتر) و(التمادي) في استنزاف طاقة المجتمع وقدرته على التحمل، بما فيها من الأفعال أو الأقوال أو السلوك أو المشاهدات، وكانت هذه لحظة تفجر كل حالة الفوران، وهى مجرد بداية.
وخامسا: حالة التوجس لدى المكون العسكري او الأمني وإحكام السيطرة والإغلاق والتضييق دون مبرر واضح، وربما أثر الضغط الإعلامي على موقف الأجهزة الأمنية خوفا من إتهامها بالتحيز، مع ان الملاحظ أنها تميل إلى جانب دون أخر، ويمكن مراجعة مواقف الدولة بمكوناتها عشية ٣٠ يونيو الماضي وخطاباتهم.
وسادسا : إن تعاظم الزخم الشعبي المعارض للحكومة الإنتقالية، لا يكشف هشاشة موقفها الشعبي فحسب، وإنما ينسف إدعاءات تفويضها لإتخاذ سياسات وقرارات من صميم مهام مؤسسات تشريعية منتخبة، لقد اتخذت بعض القوى السياسية ذات الوزن الجماهيري المحدود هذه المرحلة لتسريع رهاناتها و قناعاتها الفكرية و(شرعنتها).
(2)
و من الملاحظات المهمة، هو حالة السلام والطمأنينة خلال ساعات الموكب وما تلاه، لم يحرق إطارا أو يغلق شارعا أو يعتدي على احد أو يتم إستفزاز للأجهزة الأمنية، إلا حادثة أو إصابة واحدة، ورغم كل محاولة الإرباك فإن الموكب ألتزم مساراته، وفى ظل ظروف كهذه فإن هذا يدل على قوة التنظيم والتنسيق.
والنقطة الثانية هو غياب الإعلام المحلى المقروء والمسموع والمرئي ، ليس الأجهزة الرسمية ،( فقد نفت (سونا) إنطلاق أي تظاهرات) ، بل ان بعض الصحف صبيحة يوم الجمعة لم تنشر سوي حديث عن (إغلاق الكباري بصورة مفاجئة) وجاء بعضها يوم السبت بعناوين وئيسة من شاكلة ما بعد الإغلاق، وهذا أمر لا يساعد على بيئة سياسية معافاة وحرة ، لقد كانت مواقع التواصل الاجتماعي مسرحا لمعركة حامية ، فقد استعاد التيار الإسلامي والوطني سطوته وزخمه وفعاليته بشكل ملحوظ.
إن المشهد ما بعد ١٧ يوليو ٢٠٢٠م، لن يكون بذات الملامح ما قبلها ، خاصة مع تذبذب مواقف قوي سياسية (حزب الأمة القومي مثلا) وخيارات الحزب الشيوعي لفرض اجندته (تجمع المهنيين ود. أكرم)، وتعيين الولاة، وقد تحدث ردة فعل عكسية بأن تلتف هذه القوى وتتوحد ولكنها ذلك سيكون (حالة مؤقتة).
من المصلحة أن تتم مراجعة وإعادة الحسابات السياسية والمواقف، بما يخدم أمن واستقرار الوطن والعبور الآمن..
(3)
لأول مرة، أجد خبرا أو حديثا منسوبا للدكتور عبدالله حمدوك، فيه ذكر للإسلام والحرص على حدوده، جاء ذلك بعد لقاء وفد من جماعة أنصار السنة المحمدية، يوم الخميس ١٦ يوليو ٢٠٢٠م، وتلك أول ثمرة الموكب قبل إنطلاقه، فالقوي السياسية التي استسهلت أن تسقط (الشريعة كمصدر للتشريع) في الوثيقة الدستورية، وتحدثت عن مفاوضات السلام دون (خط أحمر) وبالتأكيد المقصود هنا (الدين)، تذكرت في هذه الليلة أمر الإسلام والحرص على الحدود، تلك لحظة الوعي من حالة الغيبوبة والتمادي في المواقف والركون لضوضاء بعض المجموعات المدنية وجماعات الضغط والمنظمات الدولية والإقليمية.
ولأول مرة منذ عام، أشعر أن التيار الوطني أسس دعوته على رسالة جامعة، تتجاوز رهانات أى أطراف داخلية و تتجافي عن (سعى للعودة) لموقف ما قبل ١١ أبريل ٢٠١٩م، و هذا الموكب هو ميلاد جديد لواقع سياسي جديد، ببرنامجه السياسي وقياداته وخياراته ومنهجه، قد لا يكون هناك كيان وأجهزة فعليا، لكن دلالات الحدث تشير لخارطة جديدة وروحا جديدة، وهذا ما ينبغي أن يكون، تيار غير ذي ارتباط بكل التجربة السابقة، وينظر للأمام، و(الميس) الإنتخابات القادمة والخيار الشعبي، وذلك دون تنكر أو غمط التجربة السابقة حقها، وإنما استنادا إلى معايير لكل (مرحلة مقتضيات وظروف) .
لقد أثبت الموكب ان الخيار الرابح هو الإقتراب من المواطن وهمومه ، و مطلوب الآن التعامل مع ثلاث تحديات، تشكيل رأي عام شعبي أكثر صلابة تركيزا على قضايا المواطن والوطن، ويقتضي ذلك بناء مؤسسات فاعلة والإنفتاح على الفضاء الشعبي والمدني، وثانيا تحدي تأسيس خطاب سياسي جامع يلامس الوجدان والعمق الشعبي، وثالثا رسائل متعددة للآخرين، وتخديدا الآخر الخارجي، ومع ظرف إقليمي متغير من الأفضل طمأنة المنزعجين، فهناك توظيف شديد التأثير للأجندة.
إن معركة التنافس السياسي قائمة مع القوى والأحزاب السياسية ومستمرة، فيها الأيام دول، يوما لك ويوما عليك، ولذلك نوجه رسالة للمكون العسكري : (ليس في مقدور أحد في السودان إلغاء أو تقزيم (الإسلام السياسي) فهذه فكرة ذات عمق إجتماعي وجداني وتجربة راسخة ومترابطة) ، ومن الخير للبلاد والعباد توظيف الطاقات لتحقيق انتقال سلس والتركيز على العبور بالفترة الإنتقالية الي نهايتها وبناء المؤسسات وإرساء السلام وتيسير معاش الناس وصولا للإنتخابات والناخب وحده له حق التمحيص والإختيار ، وهذا الموقف الذي يمكن أن يخلده التاريخ .
والله المستعان
د. إبراهيم الصديق على
السبت ١٨ يوليو ٢٠٢٠م
هوامش جمعة الغضب: قراءات ووقفات
