رأي ومقالاتأبرز العناوين

التطبيع مع إسرائيل أم التطبيع بين السودانيين؟


بسم الله الرحمن الرحيم
التطبيع مع إسرائيل أم التطبيع بين السودانيين؟
محمد حسبن أبوصالح
كتبت هذا المقال بسبب كثرة الحديث عن التطبيع بين السودان وإسرائيل، وقد لاحظت أن الكثيرين يبدون أراءهم حول التطبيع دون أن تتوفر لديهم الرؤية الكاملة للمشهد والأبعاد الاستراتيجية حول هذا الموضوع، الشئ الذي يعني أنه من الخطورة على السودان ومصالحه أن نفتي ونقرر دون دراية أو علم في موضوع خطير كهذا.
لذلك سأحاول أن اكتب باختصار وفي شكل نقاط بعض المعلومات التي تساعد في فهم الموضوع ومن ثم اتخاذ القرار، واضعين في الاعتبار أن مرجعية أي قرار هو تحقيق المصالح الوطنية التي تتضمن مصالحنا الآن ومصالح وحقوق الأجيال القادمة، مصالحنا في تحقيق أمننا الوطني وأمن الإنسان وأمن المستقبل، وأبدأ بطرح التساؤلات التالية.
▪️هل التطبيع يؤسس لمصالح حقيقية للسودان ؟.
▪️ ما هي مصالح السودان الاستراتيجية، وهل هناك وثيقة سودانية متفق عليها تحدد هذه المصالح ؟
▪️هل التطبيع يعبر عن تغيير في التوجه الاستراتيجي الاسرائيلي أم يأتي في إطار تكتيكات لإنجاز جوانب شاملة ومتكاملة من استراتيجيتهم؟
وإذا كانت اسرائيل تدخل الحوار بتكتيكات في إطار رؤية استراتيجية ، فهل يفكر السودان بذات المنطق وفي هذه الحالة ما هي منطلقاته الاستراتيجي، أم ان التفكير السوداني معتقل داخل صندوق العجز المالي المصنوع عبر قواعد اللعبة.
▪️هل من المنطق في ظل الظروف والتعقيدات المحلية والاقليمية و الدولية، وفي حالة الضعف الراهن، الدخول في حوار قد يتضمن التزامات واتفاقات استراتيجية تشمل التطبيع، دون رؤية استراتيجية وطنية تؤسس لمصالحنا، ودون إرادة شعبية تقف خلف ذلك ؟.
▪️وهل من المنطق تحقيق مكاسب في حوار غير متكافئ بين دولة منهكة في حالة من الضعف السياسي والاقتصادي والاجتماعي، مقابل دول قوية ؟
✳️ أبدأ وأقول بأن إسرائيل دولة دينية مصنوعة بموجب اتفاق مع بريطانيا عقب وعد بلفور البريطاني 1917، الذي كان بمثابة تنفيذ لجانب من بنود ذلك الاتفاق الاستراتيجي، وهذه هي البداية التاريخية لبـروز الحلف اليميني اليهودي المصلحي، ولعل هذا يبين الدور الاستراتيجي لإسرائيل بالنسبة للقوة العظمي بريطانيا سابقاً والولايات المتحدة الأمريكية حالياً وهو ما يفسر الدعم والتمويل الضخم الذي ظلت تتلقاه إسرائيل من تلك الدول.
✳️ وأن ما يجري الآن تحت ما يسمى صفقة القرن، هو استكمال بناء تلك الدولة وإحكام سيطرتها من النيل إلى الفرات حسب العقيدة اليهودية ( لشعب الله المختار )، ولكن هذه المرة عبر الدعم الأمريكي، حيث تقوم النبوءة على عودتهم إلى أرض الميعاد وهي منطقة بين النهرين ( النيل والفرات )، وهو ما يربط بين أحداث العراق التي بدأت بالحرب ضد إيران ثم التدخل المباشر في العراق عبر البعثة الأممية، وأحداث السودان التي بدأت بحرب الجنوب في السودان ثم لاحقاً مناطق أخرى، وتبقى دخول البعثة الأممية.. ولعل من المهم التمعن في كلامي هذا على ضوء حديث وزير الداخلية الإسرائيلي وكذا سفيرة اسرائيل بالقاهرة عن ذلك مؤخراً وغيرهما من قيادات الصهاينة.
✳️ ولعله من المهم جداً الإشارة لاهتمام اليهود بالعلوم عموماً، خاصة براعتهم في علم التخطيط الاستراتيجي وهو علم يؤسس للقوة الاستراتيجية الشاملة المطلوبة لتحقيق السيطرة وإدارة الصراع، كما يؤسس لغايات كبيرة يحتاج تطبيقها وقت طويل ويتم تنفيذها عبر خطط مرحلية وتكتيكات تنتهي بتنفيذ تلك الغايات وامتلاك تلك القوى، وقد أشار كثير من الرؤساء الأمريكان القدماء لهذا وأبدوا تخوفهم من سيطرة اليهود على الولايات المتحدة الأمريكية، حيث انطلقت استراتيجية اليهود في 1897 وهي في نهاياتها الآن، حيث اهتمت الخطة الخمسينية الأولى:
⭕ بتأسيس الدولة وتم ذلك في 1948 بدعم بريطاني، بينما اهتمت الخطة العشرينية الثانية بتوسيع الأرض:
⭕ فكانت العشرية الأولى 1947-1957 ( حرب 57 التي اضافت مساحة )
⭕والعشرية الثانية 1957-1967 ( حرب 67 التي اضافت ارض إضافية ) وكانت بقيادة كل من موشى ديان وقولدا مايير، ثم الخطة الأربعينية الثالثة:
⭕1967-1977 تحييد القوة العربية الأولى وكانت بقيادة مناحيم بيجن،
⭕ 1977-1987 نسف مشروع الوحدة العربية واستبداله بالشرق الأوسط الجديد وتم تحت قيادة شيمون بيريز.
⭕ 1987-1997 نسف القوة العربية الثانية وهي العراق والسيطرة على الخليج والسعودية وقد تم بقيادة أريل شارون، وتم نشر القواعد الأمريكية في الخليج.
⭕ 1997-2007 نسف القوة العربية الثالثة وهي سوريا وتدمير اليمن وليبيا، وقد تمت تحت قيادة بنيامين نتنياهو وليفني،
⭕استمرار إنهاك الجيش السوداني طوال هذه الفترة ( الجيش الوحيد الذي ظل يقاتل طوال الفترة من الحرب العالمية الأولى وحتى الآن)
⭕ونشهد حالياً المراحل الأخيرة للمخطط التي تنتهي بالاعتراف بالقدس عاصمة أبدية لاسرائيل ( وقد تم ذلك بدعم أمريكي) وعودة اليهود وإحكامهم للسيطرة على المنطقة، لذا يتوجب علينا قراءة ما يجري الآن في هذا الإطار الاستراتيجي،.وعدم الانسياق بسذاجة خلف المحاولات الجارية الآن..
✳️ إن حجب ومنع علوم إدارة الصراع الاستراتيجي الدولي من الدول العربية والإفريقية والإسلامية والتي يؤسس لها علم التخطيط الاستراتجي القومي، وشغلهم فقط بالتخطيط التنموي المحدود ، تم بسبب أن علم التخطيط الاستراتيجي القومي يؤسس لتكامل النشاط الوطني كما يعزز القدرة التفاوضية للدولة من خلال امتلاك القوى الاستراتيجية الشاملة ( الاجتماعية الثقافية، السياسية، العلمية، الاقتصادية، التقنية، العسكرية الأمنية، الإعلامية المعلوماتية) التي تعزز القدرة والإرادة للدول، وبحسب دراسات عديدة، فإن غياب أو ضعف هذا العلم هو السبب الأساسي في هذا الوضع المختل لدول لها مقومات القوة، من موارد بشرية ومادية ومزايا جغرافية بجانب وحدة القبلة الروحية والتاريخ، مثل الدول العربيه، كانت تؤهلها لقيادة العالم، وذلك لأنه العلم المعني ببناء القوة، ومن المؤسف أن التجربة الأكثر أهمية لتطوير ونشر هذا العلم والتي قمنا بها من خلال تأسيس معهد البحوث والدراسات الاستراتيجية كأول معهد من نوعه إقليمياً، بجامعة ام درمان، يجري تشويهها والانحراف عن رسالتها الأساسية.
✳️ وعليه فإن قيامنا بإدارة دولنا دون فكر وعقل استراتيجي وطني يدرك الصراع الدولي وتعقيدات البيئة الاستراتيجية، قاد لهذا الضعف المُخِل، ،الذي يحتم أسئلة جوهرية تحتاج لفكر عميق في الإجابة:
▪️ما هو التطبيع ؟ هل هو عودة الأمور إلى طبيعتها ؟ وما هو هذا الطبيعي ؟
▪️هل سيتوقف اليهود عن مخططهم لإقامة الدولة اليهودية مقابل توقف الطرف المسلم عن هدف إزالة إسرائيل؟
▪️هل التوقف عن كراهية المسلم لليهود وكراهية اليهود للمسلمين، والعودة للمحبة والسلام؟،
▪️وفي هذه الحالة هل يمكن أن تتضمن حوارات التطبيع التزام الطرفين معاً المسلم واليهودي بتغيير المناهج التربوية وعمليات التشكيل الثقافي و الوجداني وفق هذا الأساس، أم ستتم العملية من جانب المسلمين فقط كما يشير واقع الحال، وفي هذه الحالة ألا يعني ذلك حاكمية المرجعية اليهودية وتعطيل مرجعياتنا الفكرية.
▪️أم هل يعني التطبيع أن يتوقف العرب والمسلمين وغيرهم عن السير تجاه أي عمل يتناقض مع المصالح اليهودية ، كما يتوقف اليهود عن أي عمل ضار بالمصالح العربية والإسلامية.
⛔ طبعاً من الصعوبة تقبل ذلك فالبناء الوجداني للصهاينة مبني على ترسيخ كراهية المسلم، كما ان منطلقاتهم الفكرية في شان دولتهم نابعة من العقيدة اليهودية.
▪️وهل هذا يبرر العمل المضني لتجهيز المسرح وإضعافه كما يجري الآن في السودان، مما يدخله في دائرة الاستسلام للشروط والابتزاز وليس التطبيع بالمعنى المفهوم.
▪️لماذا نجبر على التطبيع مع إسرائيل، لماذا لا نطبع مع ألمانيا مثلاً ؟
▪️وهل الوضع الطبيعي أن يتم التطبيع وتأسيس علاقات استراتيجية تحقق مصالح عادلة في ظل ضعف مُخِل لطرف وقوة الطرف الآخر في ظل غياب السياج الأخلاقي، هل هذا تطبيع أم تركيع وابتزاز ؟
▪️هل يمكن للسودان في ظل هذا الوضع المخل من الضعف، أن يحقق مصالح استراتيجية حقيقية عبر التطبيع ، في عالم لا يعرف إلا لغة القوة ؟
▪️لماذا تم ربط الحوار مع الولايات المتحدة ورفع العقوبات بالتطبيع ؟
▪️وهل هناك علاقة بين محاولات إضعاف السودان عبر العقوبات الامريكية واستمرار ذلك حتى في ظل الحكومة التي اسقطت الإنقاذ، هل لكل ذلك علاقة بمحاولات الهيمنة الاقتصادية على السودان وتغيير هويته الثقافية وإملاء الشروط الخارجية عليه.
▪️إذا كانت أهداف التطبيع نبيلة وتؤسس لمصالح السودان، فلماذا يتم الحوار في هذا التوقيت بعد أن وصلت الدولة لحالة من الضعف المخل، ولماذا يتم ربطه بالعقوبات ورفع السودان من قائمة الدول الراعية للارهاب وإعفاء الديون، لماذا لا يسمح للسودان بدخول الحوار وفق رؤيته الوطنية المسنودة بالإرادة الشعبية؟ الإجابة بسيطة وهي أن المطلوب هو الابتزاز والخضوع والركوع ، وسيكون من الغباء عدم الربط بين سلوك وتصرفات وسياسات الولايات المتحدة وشركائها الغربيين طوال العقود الماضية المتمثلة في عدم التعاون والإضعاف والعقوبات إلخ، تحت دعاوى مختلفة، وموضوع التطبيع وإعادة هيكلة السودان وفق مرجعية المصالح الخارجية.
⭕لا بد من القول بأن إسرائيل هي الدولة الوحيدة المسماة باسم نبي، كونها دولة دينية وتنطلق استراتيجياتها من منطلق العقيدة اليهودية، ولذلك سيكون من غير المنطقي استبعاد أي منطق ديني يدخل في إطار هذا الموضوع، أي محاولة إظهار الموضوع كأنه موضوع مصالح اقتصادية وسياسية لا صلة لها بالدين ومن ثم فتح صفحة من السلام والحب والوئام.
⭕في هذه الحالة هل نصدق سلوك وطباع الصهاينة على الأرض وما تثبته الوقائع وأقوال زعماء اليهود وامريكا ونكذب القرآن أصدق الحديث { لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود } { ولا يزالون يقاتلوكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا } ( أي عمل دائم مستمر ).
⭕هل نتناسى المخطط الصهيوني بإقامة دولة إسرائيل من النيل إلى الفرات ، ونكذب قبل ذلك نبؤة القرآن عن العلاقة بين المسلمين واليهود حول القدس.
✳️ المشهد والرؤية الكلية:
✳️يمكن تلخيص المشهد الكلي حول المنطقة وحول السودان تحديداً في الصراع الاستراتيجي حول موارد السودان الطبيعية المتمثلة في المخزون الضخم من الغاز والنفط واليورانيوم والأراضي الخصبة والمياه الجوفية ومياه الأمطار بجانب المخزون الاستراتيجي من المعادن الاستراتيجية وكذا الموقع الجغرافي على البحر الأحمر بين الفضاء العربي والافريقي، يضاف لذلك الاستراتيجية الصهيونية التي تقوم على تأسيس دولة اسرائيل من النيل إلى الفرات وهو مكتوب في وثائقهم وحتى في بعض العملات النقدية.
المنطلقات الأساسية للمخطط الإسرائيلي :
✳️ انطلق المخطط الإسرائيلي من مقولة لرئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق ديفيد بنغوريون التي قال فيها ” نحن شعب صغير وإمكاناتنا ومواردنا محدودة، ولابد من اختزال هذه المحدودية في مواجهة أعدائنا من الدول العربية من خلال معرفة وتشخيص نقاط الضعف لديها وخاصة العلاقات القائمة بين الجماعات والأقليات الإثنية والطائفية، حتى نضخم ونعظم من هذه النقاط إلى درجة التحـول إلى معضلة ليصعب حلها أو احتواءها “.
✳️ ويمكن تلخيصها في الآتي:
▪️ المنطلق الاستراتيجي : ويمثل هذا المنطلق أهم ضروريات الأمن القومي لإسرائيل حيث صارت تركز على هدف السيطرة على ممرات ومنافذ استراتيجية على البحر الأحمر بهدف منع أية قوة معادية من السيطرة على هذه الممرات والمنافذ وبالتالي حصار إسرائيل، حيث تخشى إسرائيل أن يتحول البحر الأحمر إلى بحيرة عربية .
▪️ المنطلق الاقتصادي : حيث تسعى إسرائيل من خلال هذا المنطلق لتأمين منافذ بحرية وبرية لتجارتها مع العالم الخارجي، والتغلغل والانتشار في الأقطار والبلدان خارج نطاق المحيط المناوئ لها بحثاً عن حلفاء يدعمون وضعها السياسي والاستراتيجي وفي نفس الوقت يهيئون لها المجال الحيوي لممارسة جملة من الأنشطة الاقتصادية .
اتجاهات المخطط الإسرائيلي الذي يعمل في منتهاه للوصول إلى ذلك الهدف الأساسي بجانب أهداف أخرى، وذلك كما يلي :
▪️ إضعاف الدول العربية: حيث يقول بن غوريون في هذا الصدد ” أن الجهد الإسرائيلي لإضعاف الدول العربية لا يجب أن يحشد على خطوط المواجهة فحسب، بل يجب أن ينتشر ليصل إلى قلب الدول العربية التي يمكن أن تصبح دول دعم وإسناد، وكذلك عبر الوصول إلى الجماعات غير العربية التي تعيش على التخوم في شمال العراق وجنوب السودان وجنوب لبنان”
▪️ السيطرة على البحر الأحمر بغرض اختراق سور الحصار العربي بل والانقضاض عليه من الخلف .
▪️ تأمين مصادر الانتشار والإمداد الخارجي، سواء كان بشكل مباشر في إطار علاقات دبلوماسية أو معاهدات اقتصادية وعسكرية، أو من خلال دعم وتأييد الجماعات الإثنية ضد حكومات الدول العربية .
▪️في ظل جفاف ووصول الكثير من مخزون المياه الجوفية لحد قياسي في فلسطين، فقد برزت مصالح إسرائيل في المياه وهناك مخططات قديمة لمد انبوب ضخم اسفل قناة السويس لنقل مياه النيل (مشروع اليشع كالي) وغيره من المخططات.
▪️عززت اسرائيل من تواجدها في افريقيا عموماً سعياً وراء الموارد الطبيعية والأسواق الإفريقية الواعدة، فضلاً عن أن وجودها في دول البوابة الجنوبية للعالم العربي بقصد ممارسة سياسة العزل وكذا سياسة فرق تسد عبر استخام المدخل الديني أو العرقي .
▪️استطاعت إسرائيل بناء علاقات تعاون وتحالف مع الدول غير العربية المجاورة في المنطقة، سواء تلك الواقعة في قارة آسيا أو في قارة إفريقيا، وعملت على تحويلها إلى عوامل قوة بالنسبة لإسرائيل، تخفف من الضغوط الواقعة عليها. وقد نجحت كذلك في تشتيت الجهود والقدرات العربية من خلال تطبيق ( سياسة شد الأطراف)، ومن الأمثلة على ذلك علاقات إسرائيل مع تركيا وإيران وإثيوبيا ويوغندا
▪️استطاعت إسرائيل بناء ما أسمته ( صرح حلف الجوار المعادي للعرب) بغرض توجيه الضغوط إلى العرب وتهديد أمنهم عن طريق الدول غير العربية .
▪️ التحالف مع الأقليات العرقية والطائفية في الوطن العربي :
▪️نجحت إسرائيل إلى حدٍ كبير في إقامة علاقات مع الأقليات العرقية في السودان والعراق ولبنان، وذلك عبر سياسة (فرِّق تسـُد )، حيث تمكنت من إقامة علاقات مع الأكراد في العراق، وبعض قبائل جنوب السودان، والموارنة في لبنان، والدروز والأكراد في سوريا والأقباط في مصر.
⛔ كل ذلك يشير لعمل منظم يتم وفق رؤية استراتيجية شاملة ومتكاملة بالغة الدقة والعمق ينطلق من عقل استراتيجي ومنطلقات فكرية محددة، الشئ الذي يفرض أن يقابل بعمل بذات المستوى وليس تكتيكات وبعض المكاسب الآنية التي تفتقد للعمق الاستراتيجي وربما تشكل تقييداً وضرراً بليغاً للسودان على المستوى الاستراتيجي.
✳️ تركيع وابتزاز السودان:
✳️ بدأ المخطط لتجهيز وابتزاز، السودان عبر استراتيجيات متعددة منها :
▪️تعطيل التنمية ومنع أو تقليل رأس المال العربي من التوجه نحو السودان وتبديد الجهد السوداني عبر الحروبات المتعددة التي بدأت بحرب الجنوب، ودعم تل أبيب للحركات المسلحة فيه، ولا زال هذا النهج مستمراً في ظل غياب الوعي الاستراتيجي لكثير من السياسيين وقادة الحركات.
▪️منع السودانيين من الوصول لرؤية وطنية واحدة ذات عمق استراتيجي كخطة للدولة تعبر عن التنوع وتدرك تعقيدات المشهد الكلي .
▪️شغل الدولة بالأزمات المتلاحقة.
▪️التفتيت الوجداني مستفيدين من التنوع الثقافي والإثني وكذلك التنوع الديني قبل فصل الجنوب..
▪️العقوبات السياسية والاقتصادية والتقنية.
▪️مصيدة الديون.
▪️الهزيمة النفسية بإفشال وإضعاف الحكومات المتعاقبة وصولاً لوضع اقتصادي وسياسي مهترئ، ويكفي دليلاً على هذا انخفاض قيمة الجنيه السوداني من دولار مقابل 30 قرش في بداية السبعينات، إلى دولار مقابل 250.000 جنيه الآن، وانخفاض القوى الشرائية وإفقار الناس وصعوبة المعيشة والمعاناة، وصولاً للمحطة الأخيرة لاستراتيجية تجهيز المسرح السوداني، وهي الهزيمة النفسية التي تقوم على إيصال الجمهور العام بل والنخبة إلى قناعة أن مستقبل السودان والخروج من المأزق هو التطبيع والحل الخارجي، وفقدان الأمل في الحل الداخلي بعد الأداء المتواضع للسودان في الحقب الماضية، والإيحاء بأن التطبيع سيقود إلى الخير العميم، دون أن نلتفت بوعي للتجارب السابقة للتطبيع وآخرها دولة جنوب السودان وقبلها موريتانيا وإرتريا والأردن وغيرهم، ودون أن نلتفت كذلك للأجندة الحقيقية التي تقف خلف التطبيع.
▪️التباطوء في دعم الحكومة الانتقالية الحالية تمهيداً لتحقيق المرحلة الحاسمة من التدهور الاقتصادي الذي يتبعه تدهور اجتماعي وأمني وحالة استقطاب ناجمة عن الخلافات وغياب الرؤية الوطنية وتنامي الهزيمة النفسية بضرورة الحل الخارجي.
✳️ التطبيع في ظل الضعف المُخِل سيعزز فرص الأمريكان واليهود في تحقيق مصالح استراتيجية كما يشكل ضرية البداية لخطوات متقدمة لتأسيس دولة إسرائيل الكبرى من النيل للفرات، وذلك كما يلي:
▪️إدارة الدولة عبر مرجعية خارجية وليس سودانية، ( وهذا يعني نهاية استقلال السودان)، من خلال السيطرة على مفاصل إدارة الدولة عبر وسائل متعددة وباتت مكشوفة، من أهمها إقامة نظام ديمقراطي زائف يغيِّب الإرادة الشعبية ( لأن طبيعة المصالح الاسرائيلية لا تلتقي مع وجود دول ديمقراطية حقيقية حولها) وصناعة القيادات الوطنية ( انظر كتاب في قلب العاصفة للمدير الأسبق للمخابرات الأمريكية الذي حكى عن كيفية صناعة القيادات الوطنية وتلميعها والقذف بها لسدة الحكم في دول العالم)،
▪️إعادة هيكلة الدولة وفق مرجعية فكرية غير سودانية متصالحة ومتفقة مع المرجعية اليهودية، يتم عبرها إعادة صياغة التشريعات من جديد (وقد بدأت هذه الخطوة بالفعل)’
▪️إعادة هيكلة الخدمة المدنية والسيطرة عليها عبر قيادات جديدة متوافقة مع مخططاتها، وتأسيس أحزاب جديدة تحت سيطرتها وعبر التمويل والاحتضان والدعم.
▪️إعادة التشكيل الثقافي والوجداني للسودانيين وتشكيل جيل جديد متصالح مع اسرائيل، مرتبط بالمرجعية الفكرية الخارجية، من خلال إعادة انتاج المناهج التعليمية والتربوية، ( بينما لا زال النشيد الوطني اليهودي والمناهج التعليمية لاسرائيل كما هي دون تغيير تزرع الكراهية ضد المسلمين والعرب )
▪️إفساد الدولة بالاستفادة من ترويج مفاهيم خاطئة عن الحرية تقود لتدمير البنية الاخلاقية للمجتمع، تتضمن تأسيس العلاقات بين الجنسين ( المثليين ) تمييع الرجولة بصرف الشباب نحو ثقافات إباحية جديدة وتعاطي المخدرات وإباحة الزواج خارج الأطر الشرعية مع توزيع الحبوب المهيجة جنسياً والمؤثرة عقلياً، والضغط لقبول الاتفاقيات التي تؤسس لذلك مثل سيداو .
▪️الحرب الثقافية التي تقود لانعدام الثقة في الثقافة الوطنية وتشكيل ثقافي جديد.
▪️غالباً ما تتضمن استمرار الحرب الاجتماعية بالتفتيت الوجداني وزراعة الكراهية ونشر المخدرات والحبوب .
▪️إعادة هيكلة الجيش وتغيير عقيدته العسكرية بحيث لا تتضمن الحرب ضد إسرائيل بشكل مباشر أو غير مباشر، حيث يجري تفكيك الجيوش وضرب العلاقة بينها والشعوب، وإعادة تركيبها من خلال إدماج مليشيات مسلحة والتي سبق تجهيزها ورعايتها في السابق، ولكن بموجب عقيدة جديدة (أين الجيش العراقي ؟، أين الجيش السوري ؟ أين الجيش الليبي ؟ أين الجيش الصومالي وفي الطريق الجيش اليمني، وتجري المحاولات لإلحاق الجيش السوداني) ..
▪️السيطرة على الموارد الطبيعية الاستراتيجية وغالباً ما تتضمن الفلسفة تأسيس صناعات إسرائيلية تستفيد من المواد الخام دون تحقيق فائدة وقيمة مضافة تذكر للسودان.
▪️السيطرة على الأراضي الزراعية والسكنية ، (تخصيص ملايين من الأفدنه لفترت تمتد لمائة عام كما ظل يجري في عهد الإنقاذ) أو امتلالاكها بشكل دائم بعد إجراء اللازم في القوانين المنظمة، مما يعني سيطرتهم على الأراضي من خلال عدة شركات بأسماء اسرائيلية أو تحت جنسيات أخرى، وليس ببعيد منا شراء اليهود للأراضي وتملكها في فلسطين والأردن، ويدور حديث الآن بين اليهود حول عودتهم للسودان ومصر وعن امتلاكهم لصكوك ملكية أراضي كبيرة فيهما، مما يشير لوجود هذا النمط من التفكير في العقل الاسرائيلي.
▪️إحكام السيطرة على الموانئ وإقامة قواعد عسكرية واستخباراتية. على البحر الأحمر بمشاركة الولايات المتحدة الأمريكية.
▪️اختراق الاعلام الوطني.
▪️تغييب العقل الاستراتيجي السوداني. وتقييد القرار الاستراتيجي السوداني وتقييد علاقاته الخارجية في إطار مصلحة الولايات المتحدة واسرائيل وبعض الدول الأخرى، (الوزارة الوحيدة التي ألغيت من قبل الحكومة الانتقالية من القائمة التي اقترحها تجمع المهنيين، دون تبرير هي وزارة التخطيط )
▪️إنفاذ كل الترتيبات أعلاه يستدعي تأسيس واقع سلطوي جديد من خلال إيجاد بعثة أممية في السودان بصلاحيات محددة.
⛔ مما سبق يتضح أننا أمام حوار تسليم وقبول، أمام تطبيع يؤسس لابتزاز للسودان وليس حوار طبيعي يقود لمصالح عادلة تؤسس للطرفين، لم يستمر السلوك الأمريكي والغربي طوال العقود الماضية بالضغط على السودان وحصاره اعتباطاً، وإنما من أجل تهيئة وإعداد المسرح السوداني للحظة فرض الأجندة، وها هي هذه اللحظة قد حانت، نحن في نهاية رحلة قطار الاستراتيجية الغربية والصهيونية والذي يفضي للسيطرة على السودان وموارده وإعادة تشكيله وهيكلته وفق مرجعياته.
🌐 رفع العقوبات من أجل المصالح الامريكية وليس من أجلنا فحسب :
⛔ وفق المنطق السابق نفهم ان أوان عودة الولايات المتحدة الى المسرح السوداني قد حان، وسيأتي في إطار رؤية استراتيجية في إفريقيا وغيرها لانعاش الاقتصاد الأمريكي، ولكي يتحقق ذلك وتعود الشركات الأمريكية فلا بد من رفع العقوبات، بمعنى أن استمرار العقوبات سيحرم الولايات المتحدة من العمل في المسرح السوداني ولا بد من إزالته.. لذا يجب علينا إدراك هذا، بذكاء ونحول رفع العقوبات من وسيلة ضد السودان لوسيلة لصالح السودان.
⛔ إتمام هذا الترتيب الاستراتيجي دون سند شعبي سيقود الى حالة عدم استقرار وسيقود لتنامي حالة التطرف ( وسينهار كما انهارت محاولات التطبيع مع لبنان في 1983 بسبب انكشاف الغطاء الشعبي)
⛔ ما يجري الآن ليس تنازلاً وتغييراً في التوجه الاستراتيجي الاسرائيلي وإنما تكتيكات في إطار رؤية استراتيجية واضحة المعالم يجري تنفيذها منذ عقود من الزمان، ولعل من أبجديات علم الصراع أن الاستراتيجيات تواجه باستراتيجيات تعبر عن الدولة، مما يقتضي ضرورة جاهزيتنا برؤية استراتيجية شاملة حتى ندير حوار استراتيجي يفضي لتحقيق مصالح حقيقية.
⛔من الأخطاء الكارثية التي تهدد الأمن القومي استمرار سيطرة أقلية تفتقد للتفويض في ظل غياب البرلمان والمحكمة الدستورية، مما سيعزز من تمرير الأجندات الخارجية.
⛔ نحن أمام مفترق إما تحقيق الاستقلال الثالث أو ضياع السودان.
⛔ نحن في حالة انكشاف استراتيجي ومن الخطر على الأمن القومي الاستمرار دون رؤية. وفي ظل ذات السلوك والمنهج الذي تمارسه السلطة الحالية.
⛔ على القيادات السياسية وقيادات الحركات المسلحة إدراك أن قراراتهم وتصرفاتهم في ظل الظرف الراهن، قد تشكل أكبر تهديد للأمن القومي السوداني منذ الاستقلال، وعليهم إدراك أن الإرادة السودانية في خطر، ولا يوجد في المشهد السياسي من يمتلك تفويض الشعب، فلنعتبر وننتهبه ولا نستهين بالأمر ونسمح لأنفسنا بإضاعة السودان.
⛔ وفي ضوء التعقيدات التي ذكرتها يصبح صمام الأمان للسودان ليس التطبيع مع إسرائيل وإنما التطبيع بين السودانيين حتى يكتشفوا أن لا مصلحة ولا مستقبل للسودان في ظل هذه الاستراتيجيات الأجنبية المتقنة، سوى التوافق ابتداءً حول رؤية استراتيجية وطنية تؤسس لمصالحنا الوطنية وبارادتنا الذاتية، وتحصين السودان من تمرير أي أجندة ضارة بأمنه وأمن مستقبله عبر سلطة انتقالية غير مفوضة وذلك كما يلي:
▪️ تحقيق اتحاد وجداني خلف رؤية واحدة، بعقد المؤتمر الاستراتيجي السوداني بغرض انتاج مسودة الرؤية الوطنية التي تحدد الغايات والمصالح الوطنية، والتي يجيزها البرلمان القادم.
▪️الانتباه إلى أن مستقبل السودان وأمنه في هذه اللحظات يتوقف على الإنكفاء للداخل واستجماع القوة الداخلية بتحقيق التوافق والتصالح الوطني وإعلان توجه وخطاب سياسي جديد يعيد تحقيق الالتحام الوجداني ويوحد المشاعر الوطنية ويوقف التشاكس والتخوين . .
▪️دخول ملحمة الإنتاج بقوة وعزيمة وتحدي وطني، والنظر للتوجه للداخل للإنتاج كقضية أمن قومي وليس مجرد قضية اقتصادية.
▪️تأسيس منظومة الأمن القومي السوداني ( العقل الاستراتيجي للدولة )
▪️عدم السماح للسلطة الانتقالية بتقرير مصير ومستقبل بلد في ظل حالة الانكشاف الاستراتيجي وذلك بوقف إي حوارات تؤسس للابتزاز وتحتاج لتفويض الشعب السوداني، بإجراء انتخابات حرة نزيهة لاختيار رئيس الدولة ونواب الشعب.
▪️تكوين حكومة وبرلمان من شخصيات قومية من أهل الخبرة .
محمد حسين أبوصالح
استاذ التخطيط الاستراتيجي القومي
2 اكتوبر 2020



‫3 تعليقات

  1. مقال رصين من رجل وطني مطابق لواقع الحال وكثير من اراء الساسة والنخبة الوطنية ليت عقلاء قحت والجيش تاخذ بما فيه وتعمل علي مصالحة سودانية سودانية وتوقف تطاول امد حكومة حمدوك بدون تفويض او يتدخل الجيش لعمل انتخابات مبكرةمبكرة قبل ان نفقد بلدنا بسبب سيطرة اقلية علمانية يسارية بتنسيف مع السفارات والاستخبارات وتهميش النخبة السياسية والوطنية والدينية

  2. نوعك ده يا ابو صالح من غطس حجر البلد لانك كنت كل يوم تهذى مطالبا بسقوط النظام السابق بدون التفكير في البديل و دون هبوط ناعم ديمقراطي يراعي مصلحة البلد. الان (جيت تصلحها) بصفحات من التنظير الذي هو اقرب للهراء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *