تحقيقات وتقارير

مجلس شركاء الحكم الانتقالي .. معارك داخل غرفة “المخاض” المتعسر


بمجرد وصول المسودة التي كشفت عن أسماء ومكونات مجلس الشركاء إلى منصات التواصل الاجتماعي، بعدما أعلنها رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبدالفتاح البرهان، على الفور نشطت “هاشتاقات” الرفض والاستنكار لهذا الكيان الوليد، وانزوت تقريباً على منصات التواصل الاجتماعي أية أصوات يمكن أن تدافع عن ضرورة المجلس أو تزفه بالترحيبات والتبريكات، ومن ثم تفرغت كل مساحات الرواد للقدح والتشكيك في النوايا التي تم بموجبها تشكيل المجلس نفسه، حيث ذهب الكثيرون إلى أن المجلس جاء لينسف آخر الآمال بتشكيل المجلس التشريعي رغم تأكيدات حكومية متفرقة بأن تشكيل المجلس التشريعي حُدد له ميقات معلوم في ديسمبر الجاري، بينما ذهب آخرون لتفسير إنشاء المجلس بهذه الأسماء التي أعلن عنها ليكون بمثابة حاضنة جديدة داعمة للمكون العسكري وعلى حساب المكون المدني، ومما فتح الباب واسعاً أمام التكهنات والتوقعات، فضلاً عن التأويلات والتفسيرات الغارقة في قراءة وفرز المواقف السياسية لطبيعة الكتل المشاركة في المجلس، وهو ذات الأمر الذي حملته أنباء متفرقة عن وجود خلافات ظهرت على السطح بمجرد الاعلان عن تشكيل مجلس الشركاء.

موقف حمدوك
جاءت قائمة مجلس الشركاء التي أعلنها عبدالفتاح البرهان وهي تحمل اسم رئيس الوزراء عبدالله حمدوك متوسطاً بقية الأسماء، ولكنها لم تشر إلى أية صفة لرئيس الوزراء داخل مجلس الوزراء غير وجوده كعضو مثله مثل غيره من الأسماء الأخرى، كما أن القائمة لم تشمل أية عنصر من المكون المدني في مجلس السيادة أو وزراء الحكومة التنفيذية. وبحسب صحيفة (السوداني) الصادرة أمس الجمعة، قال مصدر رفيع بمجلس الوزراء إن تشكيل المجلس الحالي لمجلس الشركاء وصلاحياته يتعارض مع ما تم الاتفاق عليه. وقال المصدر إن رئيس الحكومة د. عبد الله حمدوك في اجتماعه مع قيادات قوى التغيير- مساء أمس الأول- شدد على أن يقتصر دور المجلس في حل الخلافات التي نشأت بين الشركاء وأن يكون دوره الرئيسي “التشاور” والتنسيق ولا تكون له أي صلة “بالأجهزة السيادية والتنفيذية والتشريعية”. وأضاف المسؤول الرفيع: لا يمكن أن يقوم جسم بذات صلاحيات البرلمان، مؤكداً إن إجازة هذا الأمر يحتاج لمزيد من التشاور حتى لا يكون مجلس الشركاء قنبلة موقوتة في قادم الأيام. وزاد المسؤول : هو جسم أنشئ ليكون تشاورياً وليس مركزاً لصناعة القرار. كذلك قالت مصادر موثوقة لـ”سودان تربيون”، الخميس، إن رئيس الوزراء عبد الله حمدوك أظهر عدم رضاه حيال تكوين المجلس وأبدى عليه 4 تحفظات. وأشارت إلى أن حمدوك نقل إلى المجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير في اجتماعهما الذي التام يوم الأربعاء، ضرورة أن يكون دور مجلس شركاء الحكم الانتقالي تنسيقياً وتشاورياً ولا يتدخل في عمل الجهاز التنفيذي والتشريعي والسيادي. وأفادت المصادر بأن قرار تشكيل مجلس الشركاء سمى عبد الله حمدوك عضواً، فيما كان المتفق عليه أن يكون رئيساً مناوباً، وهو ما أثار تضجر رئيس الوزراء. وأكدت أن رئيس الوزراء يرى ضرورة أن يُضاف وزيرين على الأقل في مجلس الشركاء، كما أنه يطالب بضرورة الالتزام بالتمثيل العادل للنساء في المجلس حيث يضم التشكيل المعلن مريم الصادق المهدي فقط. وشددت المصادر المتطابقة على أن حمدوك لن يشارك في المجلس ما لم يتم إجراء تعديل عليه ليكون طابعه تشاورياً وفقًا للاتفاق الذي مهد لتشكيله.

خلافات بين المكونات
ليس رئيس الوزراء عبدالله حمدوك وحده من بادر بالاعتراض على الطريقة التي تم بها إخراج المجلس إلى العلن وعلى عكس الاتفاق المبدئي حوله، بل تمددت دائرة الخلافات فيما بين مكونات المجلس نفسه، ويدور الآن بحسب تسريبات متعددة صراعاً وخلافاً حول نسب تمثيل المكونات نفسها داخل مجلس الشركاء. ويشار الى أن مهام المجلس حسب قرار البرهان تتمثل في توجيه فترة الانتقال بما يخدم مصالح السودان العليا وحل التباينات في وجهات النظر بين الأطراف المختلفة وحشد الدعم اللازم لإنجاح الفترة الانتقالية، إضافة إلى أي سلطات أخرى لازمة لتنفيذ إختصاصاته وممارسة سلطاته. وأضاف رئيس مجلس السيادة، قائد ثاني قوات الدعم السريع الفريق عبد الرحيم حمدان دقلو، ليكون عضواً في مجلس الشركاء رغم أنه ليس من أعضاء مجلس السيادة. ونص قرار تشكيل المجلس على أن عضويته تضم 6 ممثلين للمكون العسكري و13 من الحرية والتغيير و7 من الجبهة الثورية، يُضاف إليهم عضوين بعد عقد مؤتمر أقر اتفاق السلام عقده لمناقشة قضايا شرق السودان. ويتكون المكون العسكري في مجلس السيادة من خمسة أعضاء، وهم عبد الفتاح البرهان وشمس الدين كباشي ومحمد حمدان (حميدتي) وياسر العطا وإبراهيم جابر. وقالت صحيفة “السوداني” على موقعها الإلكتروني إن خلافات عاصفة نشبت بين شركاء الحكم بسبب تكوين المجلس. ونقلت عن مصادر أن حزب الأمة القومي هدد بالانسحاب من المجلس اعتراضاً على منحه مقعدين فيه، وطالب بـ 3 ممثلين في المجلس. وأشارت إلى أن رئيس حركة تحرير السودان مني أركو مناوي أخطر مجلس السيادة باعتراضه على تمثيل الحرية والتغيير بـ 13 مقعد، كما أن قادة مسار الشرق المضمن في اتفاق السلام هددوا بالانسحاب من الاتفاق حال عدم قبول تسمية مرشحيه للمجلس.

لعبة الأرقام
شهدت قائمة مجلس الشركاء دخول عبدالرحيم دقلو قائد ثان قوات الدعم السريع ضمن حصة المكون العسكري، إلا أن أصوات كثيرة ارتفعت وهي تطرح التساؤل البديهي عن الدوافع التي تم بها إضافة قائد ثان قوات الدعم السريع، ولماذا لم يكتف المكون العسكري بممثليه الخمسة في مجلس السيادة. مراقبون كُثر فسروا هذه الخطوة بأنها ربما جاءت عن طريق ضغوطات شكلها قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان حميدتي على المكون العسكري بضرورة إفساح المجال لتمثيل قوات الدعم السريع بممثل آخر غير حميدتي نفسه والذي يحمل صفة نائب رئيس مجلس السيادة، إلا أن أصوات أخرى تقول أن حميدتي يدرك تماماً خطورة انقسام المعسكر السياسي الآن لقوى الثورة بين تيار حليف للقوات المسلحة وتيار آخر حليف لقوات الدعم السريع، وفي حال كانت نسبة الـ13 مقعد الخاصة بقوى الحرية والتغيير هي متحالفة مع البرهان ، حينها يصبح أنصار هذا الحلف هم 17 عضو بإضافة الـ4 أعضاء الممثلين للقوات المسلحة، وفي حال اكتفت الجبهة الثورية بعدد الـ9 مقاعد بما فيها مقعدين للشرق، فيصبح أنصار التحالف مع الدعم السريع هم 11 عضو بإضافة حميدتي وشقيقه، وهو الأمر الذي يعني الغلبة لتيار البرهان إن صح هذا الافتراض، وبالطبع هذا الافتراض يعزز عدم قبول رئيس الوزراء للمجلس وحديثه عن عدم وجود تمثيل لمجلس الوزراء.

معسكر الحرية والتغيير
قوى تحالف إعلان الحرية والتغيير نفسها لم تنجو من الخلاف حول نسب المشاركة، وهو الأمر الذي كشفت عنه التسريبات بأن حزب الأمة القومي يرفض تمثيله بمقعدين وهو الحزب الكبير والعريق داخل التحالف والذي لا يمكن مساواته مع بقية أحزاب الحرية والتغيير ذات القواعد الجماهيرية المحدودة مثل البعث العربي الاشتراكي، وفقاً لذات التسريبات الصحفية. كما أن بروز تجمع المهنيين القديم ممثلاً بمقعدين ، وعودة محمد ناجي الأصم إلى الواجهة من جديد، هو ذات الأمر الذي قُوبل باستهجان عريض من قبل جمهور الثورة، بحسبان أن الأصم نفسه أكد استقالته من سكرتارية التجمع، فضلاً عن أن هناك جسم يحمل اسم تجمع المهنيين يقول أنه هو الجسم الشرعي والمنتخب والذي يعبر عن شعارات الثورة. ومع واقع هذه التشاكسات والاختلافات، تحتشد منصات التواصل الاجتماعي وتفيض بأن هناك صراعاً محموماً بين قوى الثورة نفسها حول منهجية الحكم ووسائله وطبيعة الشراكة مع المكون العسكري، فضلاً عن أن المكون المدني نفسه داخل هياكل السلطة الانتقالية تأثر كثيراً بحركة التحالفات المكتومة هذه بين العسكر والقوى السياسية التي تسمى بـ”الهبوط الناعم” والتي تتخذ منهج التسوية السياسية الشاملة، وبين تيار آخر يرفض التسوية ولكنه يسعى لضبط الصلاحيات الممنوحة للمكون العسكري تأسيساً لواقع الدولة المدنية ذات الصلاحيات التنفيذية الواسعة.

الخرطوم: عبدالناصر الحاج
صحيفة الجريدة



‫2 تعليقات

  1. هؤلاء شركاء متشاكسون.متفقون فقط في ازاحة الانقاذ ومختلف.ن في كل شئ عدا ذلك!!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *