مقالات متنوعة

زين العابدين صالح عبد الرحمن يكتب: صراع الحرية و السلطة في السودان


السودان يشهد الآن أخطر مرحلة في مسيرته السياسية، حيث بدأ يفرض تصوراً واحداً من قبل العسكريين على المسرح السياسي، و يقول القائد العام للجيش أنهم يعملون من أجل تصحيح الأوضاع السياسية التي شهدت حالة من الإنقسام وسط المجموعات المدنية، و نسي السيد قائد الجيش أن السودان في حالة تحول من النظام الشمولي إلي التحول الديمقراطي، و هي مرحلة ليست باليسيرة، و تحتاج إلي زمن و إتساع في الصدور و فتح للعقول لأنها مرحلة تأسيس، و التاريخ يعلمنا أن مراحل العبور من الشمولية إلي الديمقراطية تحتاج لزمن حتى تستطيع المرحلة الجديدة أن تنتج ثقافتها الديمقراطية، و تؤسس مؤسساتها العدلية و التشريعية و أحزابها و منظمات المجتمع المدني، و الإعلام و الصحافة و كل أدوات الديمقراطية، و مرحلة التأسيس من أصعب مراحل البناء السياسي في مسيرة الشعوب، و معلوم أن الثقافة الديمقراطية ليست نصوصاً في الكتب، أو قواعداً للحفظ، بل هي ممارسات يومية تخطأ فيها العامة و الخاصة و تصحح أخطائها من خلال مسيرة الممارسة اليومية، و أحترام الرأي الأخر، و تغيير مناهج التعليم و التربية و غيرها.

أن عملية التحول الديمقراطية لا تحتاج لجهة واحدة تفرض رؤيتها، و تقرر لوحدها، و هي التي تعين أعضاء هياكل السلطة و رؤساء المؤسسات و الهيئات. إنما الديمقراطية من أهم شروطها توازن القوى في المجتمع، حتى لا يجعل كفة ترجح على الأخرى حتى تفقد الديمقراطية حيويتها، و إذا ضعف جانب يجب على الجانب الأخر تقويته، إذا كانت هناك بالفعل قناعة بالديمقراطية، حتى بعد الإنتخابات إذا كانت المعارضة ضعيفة أيضاً تكون مهددة للديمقراطية، لأن الجانب الأخر إذا شعر بضعف المعارضة سوف يحاول أن يطغى و يتجبر و يشرع القوانين التي تحفظ له السيادة. فإذا كان قائد الجيش قد مل من مشاكسة السياسيين، و خلافاتهم في بداية الطريق، كيف يقنع الشعب أنه حريص على الديمقراطية، و يريد أن يصحح مسارها، فالشخص المؤمن بالديمقراطية يجعل الصراع الدائر بين الفرقاء هي تمارين ديمقراطية تقوي من ركائزها و لا يضعفها. كل يعلم أن هناك أخطاء كثيرة تحدث من قبل المدنيين و يجب نقدها و تصحيحها و لكن لا نجعلها سبباً للإنقلاب على النظام.

كان القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان قد بحث مع سفراء دول الولايات المتحدة وبريطانيا ومملكة النرويج المعتمدين لدى الخرطوم، الذين كان قد إلتقاهم بمكتبه تطورات الأوضاع السياسية بالبلاد.و أكد لهم حرصه على حماية الإنتقال وإنجاح التحول الديمقراطي وقيام الإنتخابات وصولاً إلى حكومة مدنية منتخبة و كان قد أمن الطرفان على ضرورة الحوار مع كافة القوى السياسية بالبلاد ماعدا المؤتمر الوطني والإسراع في تشكيل مجلسي السيادة والوزراء من كفاءات وطنية مستقلة وإكمال هياكل السلطة الإنتقالية. و السؤال هنا للقائد العام هل تحاور مع كافة القوى السياسية من أجل تشكيل مجلس السيادة أم هو وحده إختار عناصر المجلس؟ أن الإنفراد بالقرار لا يعزز السلوك الديمقراطي، بل يبين أن البلاد سائرة لتأسيس عهد جديد من البناء الشمولي. و حتى إذا أفترض أنها خطوة تهدف للضغط على رئيس الوزراء حمدوك لكي يقبل المشاركة و يختار الوزراء الذين يريدهم من الكفاءات المستقلة، أيضاً هناك معضلة هي أن تأسيس المفوضيات و المجلس التشريعي و مؤسسات العدالة تحتاج للتفاهم بين المجلسين. و مجلس السيادة سوف يكون محكوماً بالولاء لقائد الجيش الذي يعينهم، و هذه واحدة من منقصات الديمقراطية. لذلك قالت تلك الدول كان قد إلتقاها و أكد لها حرصه على الديمقراطية. و قالت في بيان لها بعد تشكيل مجلس السيادة ” أن هذا القرار يمثل انتهاكاً للوثيقة الدستورية 2019. و هو أجراء أحادي الطرف الذي إتخذه الجيش و يقوض إلتزامه بإحترام الإطار الإنتقالي المتفق عليه، والذي يقضي بترشيح أعضاء المجلس السيادي من جانب قوى إعلان الحرية والتغيير، وأنه قرار سوف يعقد الجهود الرامية إلى إعادة عملية الانتقال الديمقراطي في السودان إلى مسارها، وأكدت أن ذلك مخالف لتطلعات الشعب السوداني، ولمتطلبات تحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي في البلاد و بالتالي يكون قد أسقط تبرير أنه فعل الانقلاب من أجل التصحيح.

و في جانب أخر: نجد أن الحزب الشيوعي دعا في بيان كانت قد أصدرته اللجنة المركزية، كل القوى السياسية ولجان المقاومة في الأحياء ولجان التسيير واللجان المطلبية وقوى المجتمع المدني كافة للوقوف صفاً واحداً لهزيمة الانقلاب العسكري وإمتداداته. وأضاف البيان : (لنعمل سوياً من أجل بناء أوسع جبهة ضد الديكتاتورية ومن أجل الديمقراطية بإستكمال مهام الفترة الانتقالية). أن قضية الديمقراطية و تأسيسها في المجتمع لا تتطلب شعارات و خطب سياسية، كما تفعل القوى السياسية و العسكريين اليوم، أنما هي أفعال يجب أن تؤسس على الأرض، و بأدوات الديمقراطية، و لابد أن تتم بتوافق وطني. فالديمقراطية تريد أن يلتف حولها أكبر قاعدة إجتماعية، و هذه تتطلب الحوارات المتواصلة للوصول للتوافق و ليس بفرض الأمر الواقع.

و في الجانب الأخر للمشهد: وفي أعقاب الإعلان عن تشكيل المجلس السيادي الجديد، قال أبوالقاسم محمد برطم العضو الجديد في المجلس المعين في حوار مع (سكاي نيوز عربية): ( أن المرحلة المقبلة تحتاج تعاون الجميع من أجل السودان) و أضاف قائلاً : (الخطوات المقبلة تتمثل في تكوين حكومة كفاءات مستقلة لتكوين دولة المؤسسات)، مضيفاً: (أمامنا فرصة مواتية لخلق دولة المؤسسات في السودان، دولة تسع الجميع) لكن دولة المؤسسات يجب أن تخضع لشروط البناء الديمقراطي. و هي أمر لا يقبل الخلط بين ثقافتين ( ديمقراطية و شمولية) أنما تؤسس على الديمقراطية وحدها و الإلتزام بالمواثيق، فالديمقراطية من أهم شروطها إحترام الدستور و القوانين. و حتى الفهم للقرارات خاضع لمدى تطابقها مع الوثيقة الدستورية.

قال المجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير تعليقاً على إعلان قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان تشكيل مجلس سيادة جديد في البلاد: (إن هذه الخطوة تؤكد بجلاء عدم إكتراثه لنبض الشارع وقواه الحية، واستمراره في الإجراءات الأحادية بذات نهج النظام البائد) وأكد المجلس المركزي: (عزمه المضي قدماً في مقاومة هذا النظام الإنقلابي حتى إسقاطه، وسنمضي في هذا الطريق موحدين خلف راية ثورتنا المجيدة حتى النصر، كما شدد على ضرورة التمسك بخيارات بالتظاهر والإحتجاج في الشوارع ضد استيلاء الجيش على السلطة.) معلوم أن قائد الجيش خلق واقعاً جديداً في البلاد بإنقلابه على سلطة الفترة الانتقالية، واقعاً لا يؤسس على خلاف في الرؤى فقط، و يمكن حله من خلال الحوار، بل واقعاً جديداً يبدأ النضال فيه من مرحلة الصفر بإعتباره انقلاباً يؤسس لنظام ديكتاتوري جديد، و أن أزمات البلاد، و حالة البؤس التي يعيشها الناس في حياتهم من شظف العيش و سوء في الخدمات تبين أن البلاد تسير في طريق في غاية الخطورة، و كان على الجميع تحكيم العقل و الحكمة، و يتطلب منهم جميعاً الرجوع لمنصة التأسيس و خلق حواراً جاداً بين جميع القوى السياسية و العسكر لخلق مساومة جديدة، تؤسس لواقع جديد، بعيداً عن الشروط المسبقة من كل الأطراف. و الديمقراطية تحتاج لتجميع أكبرقاعدة إجتماعية حولها. و للحقيقة أن الكل كان قد نسي قضية التحول الديمقراطي و فرحوا بالسلطة و غنائمها، و معروف أن السلطة غير المؤسسة على دستور جامع و محترم من قبل كل أهل السودان سوف تنحرف إلي الصراعات العدمية المدمرة، ليس بين المدنين و العسكريين حتى أصحاب الحزب الواحد في السلطة الشمولية تخلق الجفوة بينهم و تشتت شملهم. أن الحكمة مطلوبة في هذا المنعطف الخطير للبلاد. و نسأل الله حسن البصيرة لنا و للجميع.

صحيفة الانتباهة


تعليق واحد

  1. عزيزنا بخصوص التمارين الديمقراطية التي حدثتنا عنها مطالبا المكون العسكري الالتزام بها كان اجدر بك ذكر ذلك للمكون المدني قبل وقوع الاحداث لان سلوكهم كان واضحا للقاصي و الداني بانه يجافي ابسط الاعراف الديمقراطية كما ان النكون المدني هو من عليه التدرب على السلوك الديمقراطي على اعتبار انهم هم من سيمارس السياسة بعد انقضاء الفترة الانتقالية