رأي ومقالات

واضح من تسجيل الفريق الكباشي في تنويره للضباط بأن الجيش قد قرر العودة إلى المفاوضات مع المليشيا.

واضح من تسجيل الفريق الكباشي في تنويره للضباط بأن الجيش قد قرر العودة إلى المفاوضات مع المليشيا.

من ناحية المبدأ ليس هناك مشكلة في التفاوض، ولكن السؤال هو أجندة ونتائج المفاوضات.
هناك تحول في الموقف المعلن للجيش بدخول الملف السياسي في التفاوض، وهو تحول كبير وجوهري. فما الذي جعل الجيش يقبل بإدخال الملف السياسي في تفاوض من المفترض أنه مع مليشيا يصنفها كمليشيا إرهابية؟

الدخول في تفاوض سياسي مع مليشيا الدعم السريع هو انتصار المليشيا وهزيمة للجيش وللشعب السوداني الذي يسانده ويدعمه. بمجرد الدخول في مفاوضات سياسية تكون المليشيا قد نجحت في حربها على الجيش، وسيكون جند تفكيك الجيش ضمن أجندة التفاوض، وذلك بدلاً من تفكيك المليشيا ومحاسبتها.

ولكن لماذا يقدم الجيش على قبول الهزيمة دون أن يستفرغ كل وسعه في تحقيق النصر العسكري مع التراجع الواضح للمليشيا عسكرياً وفشلها السياسي إذ تحولت إلى مجرد قتلة ولصوص ومجرمين في نظر الشعب؟

ننتظر لنرى ما الذي يريده الجيش من التفاوض. من الكلام القليل الذي سمعناه من الكباشي يبدو أن هناك ترتيب زمني لملفات التفاوض؛ الإنساني والأمني والعسكري أولاً، ثم السياسي بعد ذلك. هذا على الأقل ما يبدو من كلام الجيش. وهو على العكس من موقف المليشيا المتمردة المعروف والذي يصر على ربط الملف السياسي مع العسكري وعدم الفصل بينهما. فإذا نجح الجيش في فرض رؤيته بالانتهاء من الملف العسكري أولاً قبل السياسي ستكون له اليد العليا في العملية التفاوضية وسيتحكم بمسارها، بحيث يمكنه وقف التفاوض والاستمرار في دحر المليشيا عسكرياً متى ما أظهرت عدم الالتزام بما يتم الاتفاق عليه، بدءاً من اتفاق جدة الموقع في مايو الماضي والذي ينص على خروجها من الأحياء والمرافق الخدمية، وحسب كلام الكباشي يبدو أن الجيش متمسك بتنفيذ الاتفاقيات السابقة قبل المضي للأمام. في هذه الحالة فقط يمكن أن يكون الجيش يتفاوض من موقف القوة. وفي هذه الحالة يمكن أن نفهم القبول بإدخال الملف السياسي كمناورة من الجيش بهدف تحقيق نقاط في الملف العسكري بإلزام المليشيا باتفاق موقع بتقديم تنازلات في الجانب العسكري مثل الانسحاب والتجمع في معسكرات وبالتالي إنهاء التمرد والقتال بدون خسائر بالمقارنة مع مواصلة العمليات العسكرية والانتشار برياً، سيكون ذلك مفهوماً.

أما إذا ذهب الجيش وفق ما تريده المليشيا وحلفاءها من الدخول في مفاوضات سياسية بالتوازي مع الملف العسكري والإنساني، فهذه خيانة لدماء الشهداء ولتضحيات الشعب السوداني.

إن أي نهاية لهذه الحرب لا تتضمن إنهاء وجود مليشيات الدعم السريع كمليشيا عسكرية بشكل كامل بحيث لا يبقى لها أي وجود عسكري ناهيك عن الوجود السياسي هو هزيمة عسكرية يتحملها قادة الجيش وتجعلهم يتحملون كل الخراب والدمار الذي حدث بسبب هذه الحرب، لأنها ستكون حرباً عبثية بالفعل يموت فيها الناس وتتدمر البلد ليعود الجيش والدعم السريع وقحت مرة أخرى وكأن شيئاً لم يكن!

وعموماً، مهما أحسنا الظن بالجيش، فإن تراجع الجيش وقبوله بإدخال الملف السياسي في المفاوضات بما يعني إدخال الدعم السريع كطرف سياسي يقرر في مصير الشعب السوداني (وأيضاً مصير الجيش، وإلا فما هو التفاوض السياسي؟) فمن يتفاوض اليوم سيأتي ويحكم غداً، هو أمر غير مفهوم أبداً ولا يمكن تفسيره إلا بكونه رضوخ للمليشيا بدون أي مبرر. وأتمنى أن أكون مخطئ في هذا الاستنتاج.

كيف ستدخل في تفاوض سياسي مع مليشيا أنت تقول بأنها تضم مرتزقة من دول أجنبية من خارج السودان؟ كيف ستتفاوض سياسياً مع حركة تضم مرتزقة أجانب؟ دعك من كونها إرهابية تقتل وتنتهب وتغتصب تمارس التطهير العرقي والتهجير.

حليم عباس
حليم عباس