رأي ومقالات

نحو فك إرتباط سلمي مع مشروع القاعدة الروسية علي بحرنا

نحو فك إرتباط سلمي مع مشروع القاعدة الروسية علي بحرنا:
حسب صحيفة الفاينانشيال تايمز “قال وزير الخارجية السوداني علي الشريف خلال زيارة لموسكو ردا على سؤال حول تقدم المحادثات في القاعدة: “اتفقنا، اتفقنا، توصلنا إلى اتفاق على كل شيء”.”

إن قرار السماح لروسيا ببناء قاعدة بحرية في بحرنا الأحمر، المنسوب إلى السيد وزير الخارجية، هو قرار ضخم وخطير للغاية ولا ينبغي اتخاذه بسهولة على الإطلاق.
من الطبيعي أن تدخل الدول في تحالفات من مختلف الأنواع، سواء كانت سياسية أو عسكرية أو اقتصادية. ولكن مثل هذا القرار الحيوي والحاسم لا ينبغي أن يتخذ إلا بعد دراسة متأنية وتقييم كافة الجوانب والعواقب وموازنة الإيجابيات المتوقعة مع المخاطر والسلبيات.

روسيا ليست مجرد دولة عادية، بل هي قوة عظمى تخوض حرباً كبرى، ليس فقط ضد أوكرانيا، بل في المقام الأول ضد حلف شمال الأطلسي والولايات المتحدة وأوروبا. ولذلك فإن وجود قاعدة روسية في بحرنا من المرجح أن يثير غضب الغرب القوي. هل يحتاج السودان إلى المزيد من عداء الغرب وتصعيد عداوته؟ أنا لا أعتقد ذلك.

آخذين في الإعتبار رد الفعل المحتمل من جانب الغرب، فإن منح روسيا قاعدة هو قرار لا يصح اتخاذه بمعزل عن إجراءات وتحولات سياسية جوهرية أخرى. ولا يمكن أن يكون مثل هذا القرار متماسكا ومدروسا إلا إذا جاء مصحوبا بإعادة توجيه حاسمة للسياسة الخارجية تجاه روسيا والصين والتخلي عن الغرب بشكل كامل والإستعداد لمضاعفة كيده.

سيكون من قبيل الوهم الرغبوي أن تمنح روسيا قاعدة ونسعى للحصول على الدعم السياسي والدبلوماسي من الغرب أو حتي تجنب شروره. ولن يكتفي الغرب بمنع الدعم، بل سيزيد من درجة العداء بنفس الوتائر التي عادي بها من منح روسيا قواعد علي المياه الدافئة في سوريا وليبيا. إنتهي العداء بسقوط نظامي الأسد والقذافي ودمار البلدين. وفي كتاب براغماتية الغرب لو صعب إسقاط نظام مغضوب عليه بجماعات تدعي الليبرالية، فيمكن إسقاطه علي يد الدواعش كما حدث في سوريا. المافي شنو؟

أعتقد أن قرار منح روسيا قاعدة هو مغامرة خطيرة ستضع السودان في مرمى نيران عمالقة عسكريين واقتصاديين. هذا البلد لايتحتاج إلى هذا القرار ولا يملك مواجهة فواتيره الثقيلة. أضف إلى ذلك أن اتخاذ قرار بهذا الحجم يجب أن تتجنبه حكومة أمر واقع، محدودة المشروعية، تعاني من مشاكل تفوق طاقتها.

إن السياسة الخارجية المثالية ينبغي أن تسعى إلى زيادة التعاون السياسي والاقتصادي مع جميع البلدان، وخاصة روسيا والغرب والصين ومجموعة البريكس والدول الكبرى في الجنوب العالمي. نحتاج إلي سياسة مستقلة متوازنة تسعي للتعاون الاقتصادي والسياسي مع كافة القوى السياسية الكبرى. التوجه المثالي لا يعادي أحدا ويبتعد عن الأحلاف العسكرية وفي ذلك ترسيخ الأمن الوطني وتوفير مساحة للمناورة في ساحة عالمية شديدة التعقيد والتركيب. ولا داعي التحالفات عسكرية مرعبة بهذا الحجم كلفتها السياسية والإقتصادية باهظة ومردودها قنينة فودكا علي شجرة.

ظللنا نردد ضد التبعية العمياء للغرب ولكن الخيارات لا تنحصر علي التبعية له أو إثارة عداوته. القرار السياسي الإستراتيجي يجب أن يسعي للإستقلال ولكنه دائما يستصحب ردود الفعل ا ويسعي لتقليل المخاطر المحتملة. السياسة المحترمة لا تنبطح للغرب أو أي مجوعة أخري وفي نفس الوقت تسعي للتعاون والصداقة أو علي الأقل تجنب إثارة العداوات الممكن تفاديها وهذا أضعف الأيمان.

لذلك فان إثارة عداء الغرب في هذا التوقيت فكرة سيئة ومكلفة لبلد مفلسة. نحتاج لصداقة جميع القوي الكبري، وتجنب إثارة حفيظة أي منها ما أمكن. رجل الدولة القوي الماهر هو الذي يعرف متي وكيف يقول لا للغرب ويعرف أيضا كيف يتعاون معه ويصادقه أو علي الأقل يتجنب إثارة أو مضاعفة عداء يمكن تفاديه.

وقد يقول قائل أن الغرب ظل في حالة عداء مع السودان علي أي حال وليس لدينا ما نخسره. ولكن هذه القول حتي لو صح لا يبرر توجه سياسي سيضاعف من إستهداف الغرب لسودان لم يبق في جسده موضع إلا وفيه طعنة برمح أو ضربة بسيف. فرق ألكم في درجة العداء جانب شديد الأهمية.
باختصار، نعم للتعاون السياسي والاقتصادي العميق مع روسيا (والغرب والصين). لا لأي ولاء عسكري لأية دولة . لدينا ما يكفي من المشاكل على طبقنا الوطني ولا نحتاج لمعارك فوق طاقتنا. ألفينا مكفينا.

إستقلال السياسة الخارجية لا يعني بأي حال من الأحوال الذهول الأرعن عن واقع الجيبوليتك الموضوعي كما هو، وليس كما نتمناه. هناك خيارات أخري علي الطاولة ولسنا مجبرين علي دبلوماسية ألحس كوعك أو الإنبطاح الوديع في حضن ” المجتمع الدولي” – أسم الدلع الكودي للغرب.
نحو سياسة تسعي لصداقة الجميع بندية ومن لم أبي نتجنب العداء معه ما أمكن ولا نحارب إلا من حاربنا واجبرنا علي الدفاع عن النفس والسيادة.
لا يا عزوز.

معتصم اقرع