على أيام ديسمبر الأولى كنت أرى أنَّ (تتريس) الشوارع ومنع الحق العام في الطريق فعلٌ فوضوي فيه اعتداءٌ وتجاوز ولا يمكن بحال أن يكون من أدوات التعبير السلمي إلا إذا كان معنى السلمية أن تفرض على غيرك ما تراه أنت من اختيار!!
ليس من حق أحد أن يغلق شارعاً بحرق لساتك أو بوضع متاريس، ولا نحتاج هنا إلى تبريرات على شاكلة مرضى يريدون الوصول للمستشفى أو طلبة يريدون اللحاق بموعد امتحان ووو
لا يحتاج الأمر إلى سَوْق مثل هذه التبريرات، لو كان هذا الممنوعُ من سلوك الطريق خارجاً في مجرد نُزهة أو متسكِّعاً في غير وِجهة، ليس من حق أحد مصادرة حقه في الطريق العام.
عبَّرتُ عن هذا الرأي في تلك الأيام التي كانت فيها “اللساتك” والمتاريس قد أُنزلتْ منازل التمجيد والتقديس كتابةً وخطابةً ونقاشاً مع شباب الثورة.
وكنت أعجب لنقاش كنت أرى أنه إلى البدهيات أقرب. وأرى أن الحدود الفاصلة بين الوسيلة السلميَّة والتجاوز والاعتداء تجتاحها فَوْرةُ الحماسات أو تُعمِّيها حالةُ الهياج.
في الجامعة مثلاً في ظروف استثنائية ربما كانت الدعوة للاعتصام وسيلة ضغط سلمية من طلاب يستجيب لها زملاؤهم أو لا يستجيبون، لكن إذا ذهب دعاة الاعتصام يغلقون قاعات الدراسة مثلاً أو يمنعون مَن اختار غير اختيارهم دخولها بأيِّ وسيلة كان المنع فهذا منهم التجاوز والاعتداء ولاشك.
وقل مثل ذلك في الدعوة للإضراب عن العمل أو لمقاطعة منتج أو للخروج للتظاهر أو ما شئتَ من دعوات.
من البداهة أنكَ إذا حاولتَ إكراه الناس على أن يلتزموا اختيارَك ويختاروا وسيلتَك بأي صورة من صور الإكراه فأنت هنا إلى العنف أقرب منك إلى السلميَّة وإلى الاستبداد أقرب منك إلى الحرية!!
وبالطبع لا يُجدي هنا التبرير بأن (الضرورة تبيح المحظور) فهذا الباب في التبرير يدخل منه الشيء ونقيضُه والشيء وضدُّه، فالناس قد يتفقون على ما هو (محظور)، على حين تبقى (الضرورة) في العادة تقديريَّة نِسبيَّة تتقلَّب بين الناس بحسب مواقفهم ومصالحهم!!
الموقف من مُجانبة الاعتداء ومناهضة التجاوز ومدافعة الافتئات على حق الناس في الاختيار ينبغي أن يكون موقفاً مبدئياً ثابتاً، فإذا أعجبكَ كلامي هذا ورضيتَه في متاريس الديسمبريين، وكرهتَه إذا ذكَّرتُكَ بأنه ما كان من حق الناظر “تِرك” ولا ينبغي له أن يُغلق شارع الشرق للضغط على حكومة حمدوك فأنت حينئذٍ على الفعل المُتجاوِز موافق وإنما خلافك مع الفاعلين!!
وما انتهينا إلى هذا الذي انتهينا إليه إلا يوم أن أصبحنا نقبل الشيء أو نرفضه لا بالنظر إلى خَيرِيَّته أو شرِّه ولكن بالنظر فقط إلى الجهة التي صدر منها أو جاء!!
وما هذا بالطبع شأن مَنْ يرجون لحالهم صلاحاً.
عمر الحبر
