الشهيد اللواء معاوية حمد قائد الفرقة ٢٢ بابنوسة كما عرفته منذ الطفولة حتى الثانوي، قبل ان يكون ضابطا عظيما.
المقطع أدناه للفريق البرهان وهو بالأمس، الأربعاء ١١ فبراير، وهو يعزي أسرة الشهيد معاوية حمد بريفي دنقلا.
انه “نخيل المحبة”، وهي لعمري منزلة لا يصل اليها الا من كان من أصفياء الله الخلص، هكذا كان “ود حمد” كما كنا نناديه، كان رمزا للعطاء و المودة الصادقة لكل من عرفه في صباه الباكر او عمل معه لاحقا من جنود وضباط.
هو معاوية حمد عبد الله حمد، ابن الخالة، المحسية، عازة محمد حمد، عند وفاة والدهم، مطلع الثمانينات، حضروا من الخرطوم للاقامة بدنقلا، كانوا اربعة اشقاء ذكور غاية في الأدب وحسن السلوك والتهذيب والنقاء في المظهر والجوهر، وقد احسنت الخالة عازة تربيتهم فكان منزلهم بطرف القرية مرتبا ، ملايات أنيقة بالغرف، والحوش ديمة مرشوش و منقوش وجزا الله الحجة عازة خير الجزاء فقد أدت رسالتها في الحياة كاملة.
التحق معنا الصبية الأربعة، محمد ومعاوية و عاطف والصغير طارق بمدرسة كدركة الإبتدائية المختلطة آنذاك ، وما شاء الله كانوا كلهم، نجباء، في غاية الأدب والتهذيب، الدراسة بالمدرسة صباحا ثم درس العصر ونتسامر كمجموعة على قوز الرمال وقد كان معاوية عذب الحديث، هاشا باشا و محبوب من الجميع، الطلاب والمدرسين، يشع حيوية وطاقة ايجابية أينما حل، فلم اندهش ان يحبه جنوده ويتعلقوا به فهو صاحب كاريزما هائلة خاصة به.
الغريب ان هذا الكائن الوادع، رقيق الطباع، اصبح ضابطا شديد المراس، قويا، لا يشق له غبار، حدثني من أثق به من الضباط ان معاوية كانت توكل له المهام الجسام، الصعبة في الجيش،كان يرسل لأصعب المعارك و المهام فيحقق فيها نجاحا مذهلا ولا ريب فقد استلف من جينات أهله القراريش الجلد والصلابة والتحمل، وقد كانوا، ولا زالوا، يقودون سلاسل الجمال في صحارى العتمور وبيوضة، لا يهابون ليل العتامير، يهتدون بالنجوم ويفرحون بالطرفة الخريفية، يظن الكثير من السودانيين ان المديرية الشمالية الممتدة من الغابة الى حلفا شمالا هي خالصة، من الجنوب الى الشمال، للدناقلة ثم يليهم المحس ثم السكوت والحلفاويين، الحقيقة ان نسبة القراريش والكبابيش والبشارية والحسانية والعبابدة لا تقل عن ٤٥ الى ٥٥% من المكون السكاني ، يعيش الجميع في سلام اجتماعي فريد، دوما نعتز بهذا ال Diversity حيث يعيش الجميع كسبيكة اجتماعية موحدة ومعهم مجموعات صغيرة من العوازمة والقريات والعقيلات، في العهد العثماني لم تكن قناة السويس موجودة ، مع إبلهم إنطلقت بعض المجموعات المتأخرة من شمال الجزيرة العربية ثم حركة يو تيرن بشمال سيناء، في غياب القناة آنذاك، ثم يتابعون مسار العشب الى حلايب ووادي العلاقي ثم يتجهون الى النيل ويستقروا بالمنطقة ، حسين خوجلي يقول انه اندهش، وهو في بداياته، يحاور عثمان الشفيع عندما قال له ” ما تشوفني من شندي تقول علي انا جعلي، نحن عرب محس”
معاوية كان صاحب دعابة، يميل للظرف ولا ينسى المواقف الطريفة، ما ان التقيه بالخرطوم الا و يذكر لي طيفا منها، رغم مرور السنين، آخر واحدة رواها لي، أو بالأحرى ذكرني بها، كانت قد حدثت عشية امتحن الثانوي قبل سنوات طويلة، كنا نقف معا، مع استاذ اللغة الإنجليزية بدنقلا الثانوية في انتظار خروج الطلاب من امتحان الانجليزي، الصعب في ذلك الزمان، حيث مادة التعبير ال composition كانت تأتي مبالغة في عناوينها المطلوب الكتابة عنها، كان العنوان مرة يكون عن الزلازل او عن المناخ ، يومها كان عن الايدز المرض حديث التشخيص حينها ، ومع شح المعلومات عن العنوان، مطلوب منك بالإنجليزية ان تكتب عدة أسطر عنه، وكان استاذ صلاح و نحن بجواره، ينتظر كل من يخرج من الفصل ويسأله ان كان قد عرف رأس الموضوع من الأساس، صرف النظر عن ما كتبته، فان فهمت العنوان لا شك ستكتب سطرين ثلاثة، المهم خرج من الفصل طالب ضنقلاوي طويل فارع القامة كان مشاغبا ولاعب كرة حريف، سأله ” أها يا ….. فلان عرفت الموضوع؟ اجابنا؛
” أيووو، أي اوجر، حمامتن بتاني قنو” قال انه الموضوع كان عن الحمامة وتربيتها وعنايتها لصغارها حينها وقع استاذ صلاح من الضحك وريْل، من ريالة، حتى ابتلت لياقته من الضحك والى يوم الناس هذا، لم نعرف علاقة الحمامة بفيروس نقص المناعة.
امتدادا لخلقه الكريم اهتم اللواء معاوية بأسر شهداء القوات المسلحة، تفويج والديهم للعمرة والحج واطعامهم، نساؤهم واطفالهم ، هؤلاء بكينه بدم حار.
أقيمت لفقيد المنطقة والبلاد الكبير، صيوانات عزاء في الدوحة والرياض والمدينة المنورة والقاهرة ودنقلا، سالت دموع الرجال والنساء. ذلك ان معاوية كان محبوبا من الجميع، حتى آخر سنواته ظل يصل رحمه ، في الأعراس والمناسبات يقالد النساء كبيرات السن و يمازحهن، تجده في عرس وقد توسط الحوش على كرسي او طرف سرير، يحاور قريباته من مختلف الأعمار في لطف وأدب ، كان متدينا متسامحا ، لم يكن سلفيا او مطوعا بل مسلما معتدلا، يمازح ويتونس ويسأل عنهن فقد كان أخ الجميع، لشخص قادم من الريف هذه ميزة عظيمة، اذ كثير من الشباب القادم من الريف يجد رهبة في التعامل مع النساء، يوصف و يدرج ذلك كتاب مثل عبد الله علي ابراهيم والنور حمد تحت باب” عنف البادية” الذي تمدد من العنف ضد النساء الى الجامعات الى حياتنا السياسية، معاوية حزن على فراقه الرجال، ومن القلائل، في يومنا هذا، من بكين عليه النساء.
يقول الفريق البرهان في كلمته أنه كان على تواصل معه يوميا، وقال ذلك كمال عبد المعروف ويونس محمود و عسكريون كثر، انا شخصيا كنت يوميا بعد صلاة الصبح ارسل له في الواتساب رسالة ويرد علي برسالة، رسالة دعوات له، لم أتدخل اطلاقا معه في شأن وضعه العسكري، اعرفه جيدا فلن يقبل ذلك وإني لاندهش اليوم جدا، كيف كان يجد الوقت ليرد على كل هؤلاء الناس؟
تذكر، وانت تقرأ هذا الكلام، لديك طعام وتأمين طبي وبجوارك صيدلية مليئة بالأدوية، تذكر ان هذا الرجل عاش لثلاثة أعوام يقاتل دفاعا عن فرقة لجيش بلاده في مدينة خالية، ليس فيها طعام ولا مركز طبي ولا حبة بندول.
اللهم ارحم عبدك معاوية، وقد أفضى الى ما قدم، وأجمعه مع الصديقين و شهداء القوات المسلحة على كوثر المصطفى صلى الله عليه وسلم.
طارق عبد الهادي الشيخ.
الرياض ١٢ فبراير ٢٠٢٦م.
الشهيد اللواء معاوية حمد قائد الفرقة ٢٢ بابنوسة
