عيد استقلال بطعم مختلف

الأول من يناير من كل عام ،يوم خالد في تاريخ بلادنا وعزيز في نفوس كل السودانيين ،كل عام والجميع بخير وأمان ،كل عام وبلادنا بأمن واستقرار وازدهار بمناسبة الذكرى الـ70 لاستقلال بلادنا المجيد ، و معه نستقبل عاما ميلاديا جديدا جعله الله عام خير ونماء لبلادنا ونصرا وعزة لقواتنا المسلحة ووحدة كلمة وصف لشعب أبي لا تلين عزيمته ولا تفتر همته.
مر عام آخر من أعوام الحرب المرة القاسية ، حرب جعلت بلادنا مسرحا مفتوحا لكل الجرائم والانتهاكات والآلام، وكشفت ضعف آليات المجتمع الدولي تجاه إيقافها أو ردع المليشيا المتمردة، ما حدث من قتل ممنهج للمدنيين وعمليات قتل جماعي ترقى لإبادة جماعية، وحرق جثث الضحايا ونهب واغتصاب واختفاء قسري وخطف وحجز تعسفي ، وتدمير متعمد للبنى التحتية من مستشفيات ومدارس وجامعات وأسواق ومطارات ومحطات الكهرباء والمياه وغيرها من الاعيان المدنية ، كلها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية أسقطت ورقة التوت الوحيدة التي كانت تستر وهن المجتمع الدولي.
رغم وضوح المأساة ومعرفة دول كبرى بحجم الكارثة – قبل وقوعها – إلا أن التلكؤ والبطء الشديد كان هو السمة الواضحة في تحرك المجتمع الدولي تجاة الانتهاكات والجرائم التي حدثت للشعب السوداني ، وهذا في حد ذاته جريمة أخلاقية.
دولياً أصدر مجلس الأمن عدداً من القرارات بهدف وقف العنف والعدائيات ومحاسبة المتورطين وتقديمهم للعدالة، إلا أنه علي أرض الواقع كان 《عدم التنفيذ》 والضرب بكل هذة القرارات عرض الحائط، لاسيما من قبل المليشيا الإرهابية، هو الواقع المسيطر علي الأحداث في الميدان.
قرارات مجلس الأمن الدولي رغم تزامنها مع الأحداث ، إلا أنها ميدانياً كانت متأخرة جداً ، لأنها لم تستطع أن تحمي المدنيين من القتل الممنهج ولا أن تنقذ الأطفال من الموت جوعاً، ولا أن توقف اغتصاب وخطف النساء .
مجلس الأمن الذي يفترض أنه يسعي لحماية الأمن والسلم الدوليين – هذة هي غايته وجوهر عمله – لكنه مقيد بحق الفيتو من خمس دول لحماية مصالحها هي أولاً وثانياً وعاشرا ثم بعد ذلك ، حماية السلم والامن الدوليين !!! حسب مصالحها أيضاً. !!!
بعض المراقبين يرون أن الحرب في السودان هي أخطر (امتحان قدرات) مر علي المجتمع الدولي ، فكل ما حدث يستدعي قدرات جبارة وإجراءات سريعة وحلول ناجعة نحو حل الأزمة، لكن للأسف كانت القدرات محدودة والاجراءات كسيحة والحلول عبثية بطيئة والنتيجة صفر .
المتابع للقرارات الدولية يجد أنها بالفعل تلتزم وتصدر وفق أحكام ونصوص القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة ووفق المعاهدات الدولية (ظاهريا) ، لكن هي في الحقيقة تصدر وفق توازن المصالح الدولية ، مما جعل البعض يري أن هناك تواطؤ يصل إلى حد (القصد) غير المعلن في كل ما حدث ، فالمجازر التي ارتكبت في الفاشر كانت متوقعة بل تم التحذير منها قبل وقوعها، لكن لم يحدث الاهتمام الكافي والتفاعل الصادق لمنعها ، كما تم جلب الأسلحة والعتاد والمرتزقة من عدة دول، عبر مطارات عدة دول في وضح النهار أمام أعين العالم ، ودويلة الشر تدعم وتمول وكان المجتمع الدولي يعرفها ويعرف أفعالها لكنه يغض الطرف عنها في صمت مخجل !!وحين تقع المجازر وتسيل دماء الأبرياء وتحرق الجثث ويرتفع عدد الضحايا وترصد المنظمات الاحصاءات لترفع التقارير، هنا يصدر المجتمع الدولي بيانات الشجب والإدانة البائسة !!
ما حدث يجعلنا ندعو لمراجعة الكثير من المصطلحات في القانون الدولي أولها الحفاظ علي(السلم والأمن الدوليين) كيفية الحفاظ عليه؟ ومن من ؟؟ و مفهوم حماية المدنيين !! ومفهوم العدالة الدولية ، وغيرها من المصطلحات .
أما عن أهم الأحداث التي كان لها أثر واضح في العام 2025 ، فهو تغير الموقف الأميركي تجاه الحرب في السودان ،حيث كان من أهم النقاط التكتيكية التي غيرت في اتجاهات الرأي العام وعدلت في موازين القوي الدولية ، أوضحت الفرق في التعامل مع القوات المسلحة باعتبارها المؤسسة الوطنية الشرعية التي تلتزم بالقوانين والمعاهدات الدولية والمدعومة والمؤيدة من الشعب، وبين مليشيا متمردة بربرية وحشية لا تحترم قرارات دولية ولا تتواني في ارتكاب الجرائم والفظائع وتنشر الرعب والدمار في أي مكان تتواجد فيه، هنا ظهر (الانضباط المؤسسي في التعامل) ووضع كل في مكانه الصحيح ، واتجهت الولايات المتحدة إلى التعامل مباشرة مع الحكومة السودانية والقوات المسلحة لأنها هي الجهة الشرعية للدولة، دون الحاجة إلى رباعية (تتضارب) فيها مصالح الدول المكونة لها ، ولا لوسطاء يسعون لمصالح وأطماع دول أخرى بالوكالة ، ولا لمنظمات تنفذ اجندة (غير واضحة) وبعيدة عن الحل الأمثل للأزمة، مما يؤكد أن الحل لابد وأن يأتي عبر التعاون مع المؤسسات الوطنية للدولة ووفق خطتها الوطنية ، لأنها صاحبة الأزمة و بالتالي صاحبة المصلحة الاولي في حلها.
علي الصعيد الأفريقي وحسب إحصاء اللجنة الدولية للصليب الأحمر فإن أفريقيا بها 50 نزاعاً مسلحاً بنسبة تصل إلى 40% من جملة النزاعات المسلحة حول العالم، ونتيجة لذلك لها 70% من بنود أجندة مجلس الأمن الحاضرة التي تستوجب قرارات حاسمة ، منها الحرب في السودان والتي – على سبيل المثال – أصدر أعضاء مجلس الأمن بيانا صحفيا بشأنها في 30 أكتوبر 2025م ، أعربوا فيه عن قلقهم البالغ إزاء تصاعد العنف في الفاشر – وقتها – وناقشوا جدوى القرار 2736 الصادر في العام 2024م ، والذي يطالب المليشيا برفع الحصار عن الفاشر ويدعو لتهدئة الأوضاع فيها ، ولم تلتزم به المليشيا ليقينها بأنه هناك (مصالح دولية) تتقاطع مع (جمود) قرارات مجلس الأمن ،فاتسعت رقعة المجازر وزادت الفظائع ولم يصدر أي قرار عاجل أو تدخل أممي مباشر لوقف المجازر وإنما كان البطء وردود الأفعال الباردة حاضرا ، لم تسقط الفاشر ولكن سقطت العدالة الدولية ومفهوم الإنسانية.
خلال العام 2025م عاش السودان الكثير من مأسي الحرب وارتداداتها المؤلمة ، وعاني من الخذلان في المواقف الدولية وضعف التفاعل الأممي وحالة الحياد الدبلوماسي الرمادية للكثيرين ، لكنه عاش – داخليا- انتصارات عظيمة للقوات المسلحة الباسلة ، ورجوع أعداد مقدرة للنازحين واللاجئين إلى دفء الوطن ، وبدأت بلادنا مراحل التعافي بفضل المولي عز وجل وعزيمة جيش لا يعرف الهزيمة و شعب لا يعرف الانكسار ، لذا ستكون احتفالات الاستقلال في الذكري السبعين بطعم النصر بإذن الله.
د.إيناس محمد أحمد





