رأي ومقالات

حكاية الاستقلال والمدافعة

الأول من يناير 2026 يوافق مرور سبعة عقود بالتمام والكمال على استقلال السودان وميلاد الدولة الوطنية المستقلة.. ولكن حكاية الاستقلال لا تقتصر على مظاهر رفع العلم وعزف النشيد الوطني واستلام السودانيين مقاليد الحكم.. الحكاية أكبر من ذلك بكثير.. نحاول هنا أن نقف على بعض فصول الحكاية بما يسمح به الحيز.. وقد نعود لتناول بعض الفصول لاحقا.

لنعد قليلا إلى الوراء نستنطق التاريخ ونعتبر بأحداثه وفصوله.. فالتاريخ كما هو معلوم مستودع الدروس والحِكَم وقاعدة الحاضر ومنصة المستقبل.

عام 1505م قامت أول دولة إسلامية في السودان هي دولة سنار أو السلطنة الزرقاء إثر تحالف العبدلاب بقيادة عبد الله جماع مع الفونج بقيادة عمارة دنقس أو فقُل تم التحالف والتمازج العربي الإفريقي تحت راية الدين الإسلامي فأقام دولة إسلامية بعد ثلاثة عشر عاماً فقط من سقوط الأندلس عام 1492م في رسالة واضحة أن الإسلام لا يُحاصَر ولا يستكين.. فإذا سقطت دولة له في جنوب أوروبا أقام دولة أخرى في قلب إفريقيا.. لنأخذ هذا الفصل من الحكاية ثم نمضي مع حوادث التاريخ.

استمرت دولة سنار أكثر من ثلاثمائة عام تنشر الدين وتزكّي المجتمع و تدير الدولة على هدي الإسلام.. ولكن ذلك لم يعجب مغامراً ألبانياً اسمه محمد علي باشا كان في البداية جندياً لكنه لم يلبث أن قام بانقلاب عسكري في مصر واستلم الحكم عام 1805م ونفّذ مذابح بحقّ الحكام السابقين لمصر حتى يستتب له الأمر بقوة السلاح.. لكنه لم يكتفِ بحكم مصر بل كانت له طموحات توسعية وأحلام امبراطورية فتوسّع ضمن مغامراته جنوبا إلى السودان ودخله غازيا وضمّه إليه عام 1820م.

وقد سكبوا في عقولنا ضمن المناهج الدراسية والكتابات التاريخية أن محمد علي باشا كان يبحث في السودان عن الجنود لجيشه وعن الذهب لخزانته.. لكن الحقيقة لها جوانب أخرى.. فقد تحرك محمد علي باشا إلى السودان لإسقاط الدولة الإسلامية وإيقاف استئناف الحياة الإسلامية.. والأدلة على ذلك كثيرة منها باختصار أن محمد علي باشا كان أول من ترجم القانون الفرنسي وطبّقه في مصر ونحّى الشريعة جانباً بعد أن كانت مُحكّمة في مصر لأكثر من ألف عام.. ورجل بهذه النفسية والعقلية لن يطيق أن يرى دولة على حدوده الجنوبية تُحكّم الشريعة.. فنهض سريعاً لإسقاطها ثم تم استقدام بعض النصارى مثل صمويل بيكر الذي أصبح حاكما للاستوائية.. وبعض اليهود.. نعم اليهود مثل النمساوي سلاطين باشا الذي صار حاكما لدارفور.. ثم سلّم حكم السودان لنصراني آخر هو غردون باشا الذي صار حاكما للسودان.. نحن إذن أمام غزو أجنبي أسقط دولة إسلامية وأراد أن يعبث بدين البلاد وعقيدتها.. فهل استسلم السودانيون لذلك.. لا.. بل قاوموه وأسقطوه وهذه هي إحدى فصول حكاية الاستقلال.

بعد خمسة وستين عاما من حكم محمد علي وأولاده للسودان نضجت ثورة إسلامية لإسقاط الغازي وأعوانه هي الثورة المهدية ونجحت في ذلك عام 1885م.. ورفعت راية الدولة الإسلامية التي أسقطها محمد علي باشا وأقامت حكما على أساس إسلامي لمدة ثلاثة عشر عاما.. وبغضّ النظر عن ما وُجّه للثورة المهدية ودولتها من انتقادات فإن ما يهمنا ضمن هذا السياق أنها أقامت الحكم على أساس إسلامي وحققت الاستقلال وطردت الغازي وأعوانه.. والملاحظ أن فترة حكم محمد علي باشا للسودان بدأت بقتل ابنه إسماعيل باشا وانتهت بقتل حاكمه العام غردون باشا.. خذوا هذه العبرة ولنمضِ مع أحداث التاريخ.

هل انتهت الحكاية.. لا.. فإن بريطانيا البرتستانية ذات الأطماع التوسعية لم يعجبها قيام حكم إسلامي في السودان فسعت لإسقاطه بالقوة العسكرية ونفّذت ذلك عام 1898م بعد معارك وحشية استخدمت فيها بريطانيا الأسلحة المحرّمة دوليا وواجهها السودانيون باستبسال نادر في معركة كرري وغيرها.. ودخلنا مرة أخرى في فصل جديد من حكاية الاستقلال بعودة الغازي الأجنبي المحتل.

هل استسلم السودانيون وانطفأت شعلة المقاومة.. لا.. فقد ظلت تواجه المحتل البريطاني عدد من الثورات المسلحة تم قمعها بوحشية لكنها كانت محطات في معركة الاستقلال.

وضمن مساعٍ كثيرة ومجاهدات كبيرة وصل السودانيون إلى تحقيق الاستقلال في الأول من يناير 1956م.. ولكن في غمرة أجواء الفرحة بالاستقلال حدثت مفاجأة غير سعيدة.. فبدلاّ من أن يعود رواد الاستقلال وصانعوه إلى رفع راية الشريعة التي سقطت بسقوط الدولة المهدية عام 1898م نجدهم للأسف اعتمدوا دستور السكرتير القضائي البريطاني ستانلي بيكر الذي كان يحكم دولة الاحتلال، ليعتمدوه دستورا لهم، بعد ترجمته وإجراء تعديل بسيط ليس جوهريا عليه.. وهكذا تواصل الحكم بدستور المحتل بعد أن رحل جنوده وإداريوه.

هل انتهت الحكاية.. لا.. تواصلت المطالبة بالدستور الإسلامي عبر جبهة الدستور الإسلامي في الخمسينيات ثم جبهة الميثاق الإسلامي في الستينيات وقد انخرط في الجبهتين مجموعات من المسلمين من الصوفية إلى السلفيين وغيرهم وتواصلت المجاهدات إلى أن تم إقرار دستور خالٍ من العلمانية في التسعينيات ضمن تطورات سياسية كثيرة في عهد نظام الإنقاذ.

وبعد سقوط نظام الإنقاذ عام 2019م حاول العلمانيون بمساعدة قوى خارجية العبث بالدستور تمهيدا لإقرار دستور علماني.. لكن فات الأوان وانتبه الشعب وبتوفيق الله تعالى لم يستطيعوا تمرير مشروعهم.

… ولا زالت حكاية الاستقلال مستمرة وفصولها متواصلة.. لكن مجاهدات الأبطال في سبيل استئناف حياة إسلامية وإقرار دستور إسلامي لن تضيع هباءً بإذن الله.

الحكاية فيها كثير من التفاصيل والعديد من الجوانب التي ربما تحتاج لتوضيح أكثر.. لكن اكتفينا بما أوردناه بحسب ما يسمح به الحيز.. وقد نعود لها مرة أخرى إن شاء الله.

حسن عبد الحميد